الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣٦ - المسيح يتكلم في المهد
و أطلق العنان للسانه في توبيخها و ملامتها، و قالوا: إن من المؤسف هذا الانحدار مع ذلك الماضي المضيء، و مع الأسف على تلوّث سمعه تلك الأسرة الطاهرة قالُوا يا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيًّا [١].
و البعض الآخر واجهها، بالقول: يا أُخْتَ هارُونَ ما كانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَ ما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا فمع وجود مثل هذا الأب و الأم الطاهرين، ما هذا الوضع الذي نراك عليه؟ فأي سوء رأيت في سلوك الأب و خلق الأم حتى تحيدي عن هذا الطريق؟
قولهم لمريم: يا أُخْتَ هارُونَ وقع مثار الاختلاف بين المفسّرين، لكن يبدو أنّ الأصح هو أنّ هارون رجل طاهر صالح إلى الدرجة التي يضرب به المثل بين بني إسرائيل، فإذا أرادوا أن يصفوا شخصا بالطهارة و النزاهة، كانوا يقولون:
إنّه أخو أو أخت هارون، و قد نقل العلّامة الطبرسي في مجمع البيان هذا المعنى في حديث قصير عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم [٢].
و في حديث آخر ورد كتاب سعد السعود، عن المغيرة، أنّ النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم بعثه إلى نجران لدعوتهم الى الإسلام فقالوا (معترضين على القرآن): ألستم تقرؤون يا أُخْتَ هارُونَ و بينهما كذا و كذا» (حيث تصوروا أنّ المراد هو هارون أخو موسى) فلمّا لم يستطع المغيرة جوابهم ذكر ذلك للنّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم
فقال: «ألا قلت لهم:
إنّهم كانوا يسمّون بأنبيائهم و الصالحين منهم» [٣]
أي ينسبون الأشخاص الصالحين منهم الى الأنبياء.
في هذه الساعة، سكتت مريم بأمر اللّه، و العمل الوحيد الذي قامت به، هو أنّها أشارت إلى وليدها فَأَشارَتْ إِلَيْهِ. إلّا أنّ هذا العمل جعل هؤلاء يتعجبون
[١]- «فريا» بناء على قول الراغب في المفردات- جاءت بمعنى العظيم أو العجيب، و في الأصل من مادة فري، أي قص و قطع الجلد إمّا لإصلاحه أو إفساده.
[٢]- نور الثقلين، الجزء ٣، ص ٣٣٣.
[٣]- المصدر السّابق.