الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٧ - إبراهيم و منطقه المؤثر و القاطع
بعد ذلك دعاه- عن طريق المنطق الواضح- إلى اتباعه، فقال: يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا فإنّي قد وعيت أمورا كثيرة عن طريق الوحي، و أستطيع أن أقول باطمئنان: إنّي سوف لا أسلك طريق الضلال و الخطأ، و لا أدعوك أبدا إلى هذا الطريق المعوج، فإنّي أريد سعادتك و فلاحك، فاقبل منّي لتنجو و تخلص من العذاب و تصل بطيّك هذا الصراط المستقيم إلى المحل المقصود.
ثمّ يعطف نظره إلى الجانب السلبي من القضية بعد ما ذكر بعدها الايجابي و يشير إلى الآثار التي تترتب على مخالفة هذه الدعوة، فيقول: يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا.
من الواضح أنّ العبادة هنا لا تعني السجود و الصلاة و الصوم للشيطان، بل بمعنى الطاعة و اتباع الأوامر، و هذا بنفسه يعتبر نوعا من العبادة.
روي عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه قال: «من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق عن اللّه فقد عبد اللّه، و إن كان الناطق عن إبليس فقد عبد إبليس» [١].
إن إبراهيم يريد أن يعلّم أباه هذه الحقيقة، و هي أن الإنسان لا يمكن أن يكون فاقدا لخط و منهج في حياته، فإمّا سبيل اللّه و الصراط المستقيم، و إمّا طريق الشيطان العاصي الضال، فيجب عليه أن يفكر بصورة صحيحة و يصمم، و أن يختار ما فيه خيره و صلاحه بعيدا عن العصبية و التقاليد العمياء.
ّ يذكره و ينبه مرّة أخرى بعواقب الشرك و عبادة الأصنام المشؤومة، و يقول: يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا.
إنّ تعبير إبراهيم هذا رائع جدّا، فهو من جانب يخاطب عمّه دائما ب يا أَبَتِ و هذا يدل على الأدب و احترام المخاطب، و من جانب آخر فإنّ قوله أَنْ يَمَسَّكَ توحي بأنّ إبراهيم كان قلقا و متأثرا من وصول أدنى أذى إلى آزر، و من
[١]- سفينة البحار، الجزء ٢، ص ١١٥ مادة (عبد).