الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٩٣ - التّفسير
الظالمين الجائرين بلال و سلمان، و عمار، و خباب، و سمية، و أمثالهم مصاديق بارزة لهؤلاء المؤمنين المظلومين.
و لما كان المعيار في المجتمع الجاهلي في ذلك الزمان- و كذا في كل مجتمع جاهلي آخر- هو الذهب و الزينة و المال و المقام و المنصب و الهيئة الظاهرية، فكان الأثرياء الظالمون، كالنضر بن الحارث و أمثاله يفتخرون على المؤمنين الفقراء بذلك و يقولون: إنّ علامة شخصيتنا معنا، و علامة عدم شخصيتكم فقركم و محروميتكم، و هذا بنفسه دليل على أحقيتنا و باطلكم! كما يقول القرآن الكريم في أول آيه من الآيات مورد البحث: وَ إِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقاماً وَ أَحْسَنُ نَدِيًّا.
خاصّة و أنّنا نقرأ في الرّوايات الإسلامية أن هؤلاء الأشراف المترفين كانوا يلبسون أجمل ملابسهم، و يتزينون بأبهى زينة، و يتبخترون أمام أصحاب رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و كانوا ينظرون إليهم نظرة تحقير و استهزاء .. نعم، هذه طريقة هذه الطبقة في كل عصر و زمان.
«النديّ» أخذت في الأصل من (الندى) أي الرطوبة، ثمّ جاءت بمعنى الأفراد الفصحاء و الخطباء، لأن أحد شروط القدرة على التكلم امتلاك القدر الكافي من اللعاب، و لذلك فإن (نديّ) تعني المجالسة و التحدث، بل يقال للمجلس الذي يجتمعون فيه للأنس و السمر، أو يجلسون فيه للتشاور: نادي، و من هذا أخذت (دار الندوة) و هي المحل الذي كان في مكّة، و كان يجتمع فيه زعماؤها للتشاور.
و قد يعبر عن السخاء و البذل و العطاء ب (الندى) [١] و هذه الآية يمكن أن تكون إشارة إلى كل هذه المعاني، أي: إنّ مجلس أنسنا أجمل من مجلسكم، و إن مالنا و ثروتنا و زينتنا و لباسنا أبهى و أروع، و إن كلامنا و أشعارنا الفصيحة و البليغة
[١]- مفردات الراغب، مادة (ندى).