الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٤ - ولادة عيسى عليه السّلام
الملائكة العظام حيث تجسّد لمريم على شكل انسان جميل لا عيب فيه و لا نقص.
إنّ الحالة التي اعترت مريم في تلك اللحظة واضحة جدّا، فمريم التي عاشت دائما نقية الجيب، و تربّت في أحضان الطاهرين، و كان يضرب بها المثل بين الناس في العفة و التقوى ... كم داخلها من الرعب و الاضطراب عند مشاهدة هذا المنظر، و هو دخول رجل أجنبي جميل في محل خلوتها! و لذلك فإنّها مباشرة قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا و كانت هذه أوّل هزّة عمّت كل وجود مريم.
إنّ ذكر اسم الرحمان، و وصفه برحمته العامّة من جهة، و ترغيب الرجل في التقوى و الامتناع عن المعصية من جهة أخرى، كان من أجل أن يرتدع هذا الشخص المجهول إن كانت له نيّة سيئة في ارتكاب المعصية، و الأهم من ذلك كله هو الالتجاء إلى اللّه، فاللّه الذي يلتجئ إليه الإنسان في أحلك الظروف، و لا تقف أية قدرة أمام قدرته، هو الذي سيحل المعضلات.
لقد كانت مريم تنتظر رد فعل ذلك الشخص المجهول بعد أن تفوهت بهذه الكلمات انتظارا مشوبا بالاضطراب و القلق الشديد، إلّا أنّ هذه الحالة لم تطل، فقد كلمها ذلك الشخص، و وضّح مهمته و رسالته العظيمة قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ.
لقد كانت هذه الجملة كالماء الذي يلقى على النار، فقد طمأنت قلب مريم الطاهر، إلّا أنّ هذا الاطمئنان لم يدم طويلا؛ لأنّه أضاف مباشرة لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا.
لقد اهتز كيان و وجود مريم لدى سماع هذا الكلام، و غاصت مرّة أخرى في قلق شديد قالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَ لَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَ لَمْ أَكُ بَغِيًّا.
لقد كانت تفكر في تلك الحالة في الأسباب الطبيعية فقط، و كانت تظن أن المرأة يمكن أن يكون لها ولد عن طريقين لا ثالث لهما: إمّا الزواج أو التلوّث بالرذيلة و الانحراف، و إنّي أعرف نفسي أكثر من أي شخص آخر، فإنّي لم أختر