الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٥ - كيف تمّ بناء سد ذي القرنين؟
أي بعد هذه الحادثة استفاد من الوسائل المهمّة التي كانت تحت تصرفه و مضى في سفره حتى وصل إلى موضع بين جبلين: حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِما قَوْماً لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا.
و الآية إشارة إلى أنّه وصل إلى منطقة جبلية، و هناك وجد أناسا (غير المجموعتين اللتين عثر عليهما في الشرق و الغرب) كانوا على مستوى دان من المدنية، لأنّ الكلام أحد أوضح علائم التمدّن لدى البشر.
البعض احتمل أنّ جملة لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا لا تعني أنّهم لم يكونوا يعرفون اللغات، بل كانوا لا يفهمون محتوى الكلام، أي كانوا متخلفين فكريا.
أمّا عن مكان الجبل و الجوانب التأريخية و الجغرافية لهذه الحادثة، و سنذكر في نهاية البحث التّفسيري، حديثا مفصلا عن ذلك.
في هذه الأثناء اغتنم هؤلاء القوم مجيء ذي القرنين، لأنّهم كانوا في عذاب شديد من قبل أعدائهم يأجوج و مأجوج، لذا فقد طلبوا العون منه قائلين: قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَ مَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنا وَ بَيْنَهُمْ سَدًّا.
قد يكون كلامهم هذا تمّ عن طريق تبادل العلامات و الإشارات، لأنّهم لا يفهمون لغة ذي القرنين، أو أنّهم تحدثوا معه بعبارات ناقصة لا يمكن الاعتداد بها.
و يحتمل أن يكون التفاهيم بينهم تمّ عن طريق المترجمين، أو بأسلوب الإلهام الإلهي، مثل تحدّث بعض الطيور مع سليمان عليه السّلام.
في كل الأحوال، يمكن أن نستفيد من الآية الشريفة أنّ تلك المجموعة من الناس كانت ذات وضع جيّد من حيث الإمكانات الاقتصادية، إلّا أنّهم كانوا ضعفاء في المجال الصناعي و الفكري و التخطيطي، لذا فقد تقبلوا بتكاليف بناء هذا السد المهم، بشرط أن يتكفل ذو القرنين ببنائه و هندسته.