الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩١ - ٢- صحيفة الأعمال
و طبيعي أنّه لا يوجد أي تعارض بين هذه الآيات، لأنّه ليس ثمّة مانع من أن تدوّن أعمال الإنسان في عدّة كتب، كما نشاهد نظير ذلك في برامج دنيا اليوم، إذ من أجل التنظيم الدقيق لتشكيلات دولة ما، هناك نظام و حساب لكل قسم، ثمّ إنّ هذه الأقسام و في ظل أقسام أكبر لها حساب جديد.
و لكن يجب الانتباه إلى أنّ صحيفة أعمال الناس في يوم القيامة لا تشبه الدفتر و الكتاب العادي في هذا العالم، فهي مجموعة ناطقة غير قابلة للنكران، و قد تكون الناتج الطبيعي لأعمال الإنسان نفسه.
في كل الأحوال، نرى أنّ الآيات التي نبحثها تظهر أنّه علاوة على تدوين أعمال الناس في الكتب الخاصّة، فإنّ نفس الأعمال ستتجسّد هناك و ستحضر:
وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً.
فالأعمال التي تكون شكل طاقات متناثرة في هذا العالم و تكون محجوبة عن الأنظار و تبدو و كأنّها قد تلاشت و انتهت، هي في الحقيقة لم تنته (و قد أثبت العلم اليوم أنّ أي مادي أو طاقة لا يمكن أن تفنى، بل يتغير شكلها دائما).
ففي ذلك اليوم تتحوّل هذه الطاقة الضائعة بإذن اللّه إلى مادة، و تتجسّد على شكل صور مناسبة، فالأعمال الحسنة على شكل صور لطيفة و جميلة، و الأعمال السيئة على شكل صور قبيحة، و هذه الأعمال ستكون معنا، و لهذا السبب نرى أنّ آخر جملة في الآيات أعلاه تقول: وَ لا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً لأنّ الثواب و العقاب يترتبان على نفس أعمال الإنسان.
بعض المفسّرين اعتبر جملة وَ وَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِراً تأكيدا على قضية صحيفة الأعمال، و قالوا: إنّ معنى الجملة هو أنّنا سنجد جميع أعمالنا مدوّنة في ذلك الكتاب [١].
البعض الآخر اعتبر كلمة (جزاء) في هذه الآية مقدّرة و قالوا: إنّ المعنى هو
[١]- الفخر الرازي في التّفسير الكبير، و القرطبي في التّفسير الجامع.