الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٦٠
سورة القصص إن شاء اللّه تعالى هنا حيث يقول القرآن الكريم: وَ قَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِّ وَ فَتَنَّاكَ فُتُوناً فبعد حادثة القتل اختبرناك كثيرا و القينا بك في اتون الحوادث و الشدائد فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ و بعد اجتياز هذا الطريق الطويل، و الاستعداد الروحي و الجسمي، و الخروج من دوامة الأحداث بشموخ و انتصار فقد جِئْتَ عَلى قَدَرٍ يا مُوسى. أي حيث لاستلام مهمّة الرسالة في زمان مقدّر إلى هذا المكان.
إن كلمة «قدر»- برأي كثير من المفسّرين- تعني الزمان الذي قدر فيه أن ينتخب موسى للرسالة. إلّا أنّ البعض اعتبرها بمعنى المقدار، كما جاء هذا المعنى في بعض الآيات القرآنية، الآية (٢١) من سورة الحجر، و طبقا لهذا التّفسير سيكون معنى الآية: يا موسى إنّك قد نشأت و أصبحت- بعد تحمل هذه المصاعب و الامتحانات و عشت سنين في بيت نبي كبير كشعيب- ذا قدر و مقام و شخصية، و حصلت على استعداد لتلقي الوحي.
ثمّ يضيف: وَ اصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي فمن أجل مهمّة تلقي الوحي الصعبة، و من أجل قبول الرسالة، و من أجل هداية العباد و إرشادهم ربّيتك و اختبرتك في الحوادث الصعبة و مشاقّها، و منحتك القوة و القدرة، و الآن حيث ألقيت هذه المهمّة الكبرى على عاتقك، فإنّك مؤهل من جميع الجوانب.
«اصطناع» من مادة «صنع» بمعنى الإصرار و الاقدام الأكيد على إصلاح شيء (كما يراه الراغب في مفرداته). و يعني إنّني قد اصلحتك من كل الجهات و كأنني أريدك لي و هذا الكلام هو أكثر ما يمكن أن يقال في تصوير محبّة اللّه لهذا النّبي العظيم، و ذهب البعض أنّه يشبه ما قاله الحكماء من: إنّ اللّه إذا أحبّ عبدا تفقده كما يتفقد الصديق صديقه.
نهاية المجلد التّاسع