الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١ - التعامل المنطقي مع المعارضين
الآية التي بعدها تضيف: رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ. بناء على الرأيين السابقين في تفسير من المخاطب في تعبير (عبادي) فإنّ هذه الآية أيضا- و تبعا لما سبق- تحتمل تفسيرين هما:
الأوّل: أيّها المشركون؛ إنّ ربّكم ذو رحمة واسعة، و ذو عقاب اليم، و سيشملكم منهما ما يلائم أعمالكم، و لكن الأفضل أن تتوسلوا برحمته الواسعة و تحذروا عذابه.
الثّاني: لا تظنوا أيّها المؤمنون بأنّكم وحدكم الناجون، و أن غيركم سيكون مصيره النّار، فاللّه أعلم بأعمالكم و نواياكم، و لو أراد عزّ و جلّ لأخذكم بذنوبكم، و لو شاء لشملكم برحمته، ففكروا قليلا في أنفسكم و ليكن حكمكم على أنفسكم و الآخرين بالانصاف.
و في آخر الآية مواساة للرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم الذي كان يتأذى و يتألم من عدم إيمان المشركين، إذ يقول تعالى: وَ ما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا. إنّ مسئوليتك- يا رسول اللّه- هي الإبلاغ الواضح، و الدعوة الحثيثة نحو الحق، فإذ آمنوا فهو الأفضل، أمّا إن لم يؤمنوا فسوف لن يصيبك ضرر، لأنك أنجزت مسئوليتك و قمت بواجبك.
و بالرغم من أنّ المخاطب في الآية هو الرّسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، إلّا أنّ من غير المستبعد أن يكون هدف الخطاب جميع المؤمنين. و هذا دليل آخر على التّفسير الثّاني للمعنى من خطاب (عبادي)، إذ يقول القرآن للمؤمنين: إنّ مسئوليتكم هي الدعوة سواء آمنوا أم لم يؤمنوا. لذا لا داعي لعدم ارتياحكم الذي قد يؤدي بكم إلى اتباع الخشونة مع غير المؤمنين، و الخروج بالتالي عن طريق التي هي أحسن، ممّا يؤدي إلى نزغ الشيطان.
الآية التّالية ذهبت أكثر من الآية السابقة في التعبير عن إحاطه اللّه تبارك و تعالى و علمه بأعمال و نيّات عباده، فقالت: وَ رَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّماواتِ