الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٢٩ - مريم في عاصفة
في تلك المدينة بصورة دائما و قلّما خرجت منها.
و مهما كان فقد انتهت مدّة الحمل، و بدأت لحظات تلاطم أمواج حياة مريم، و قد دفعها ألم الولادة الشديد الذي هاج فيها إلى ترك الأماكن المعمورة و التوجه إلى الصحاري الخالية من البشر، و القاحلة التي لا عشب فيها و لا ماء و لا مأوى.
و مع أن النساء يلجأن عادة في مثل هذه الحالة إلى المعارف و الأصدقاء ليساعدوهنّ على الولادة، إلّا أن وضع مريم لما كان استثنائيا، و لم تكن تريد أن يرى أحد وضع حملها مطلقا، فإنّها اتّخذت طريق الصحراء بمجرّد أن بدأ ألم الولادة و يقول القرآن في ذلك: فَأَجاءَهَا الْمَخاضُ إِلى جِذْعِ النَّخْلَةِ.
إنّ التعبير بجذع النخلة، و بملاحظة أن الجذع يعني بدن الشجرة، يوحي بأنّه لم يبق من تلك الشجرة إلّا جذعها و بدنها، أي إنّ الشجرة كانت يابسة [١].
في هذا الحال غمر كل وجود مريم الطاهر سيل من الغم و الحزن، و أحسست بأنّ اللحظة التي كانت تخشاها قد حانت، اللحظة التي مهما أخفيت فإنّها ستتضح هناك، و سيتجه نحوها سيل سهام الاتهام التي سيرشقها بها الناس.
لقد كان هذا الاضطراب و الصراع صعبا جدّا، و قد أثقل كاهلها إلى الحد الذي تكلمت فيه بلا إرادة و قالَتْ يا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا وَ كُنْتُ نَسْياً مَنْسِيًّا.
إنّ من البديهي أنّ الخوف من التهم في المستقبل لم يكن الشيء الوحيد الذي كان يعصر قلب مريم و يقلقها، و إن كان هذا الموضوع يشغل فكر مريم أكثر من أية مسألة أخرى، إلّا أنّ مشاكل و مصائب أخرى كوضع الحمل لوحدها بدون قابلة و صديق و معين في الصحاري الخالية، و عدم وجود مكان للاستراحة، و عدم وجود الماء للشرب، و الطعام للأكل، و عدم وجود وسيلة لحفظ المولود الجديد، و غير هذه الأمور كانت تهزّها من الأعماق بشدّة.
قد يتساءل البعض باعتراض: كيف أنّ مريم المؤمنة و العارفة بالتوحيد
[١]- «جذع» على وزن «ذبح» في الأصل من مادة «جذع» على وزن «منع» بمعنى القطع.