الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧٨ - بعض صفات الجنّة
ليست كحدائق و بساتين هذه الدنيا و نعمها الزائلة، لأنّ الشيء الذي يقلق الإنسان فيما يتعلق بنعم هذه الدنيا الكثيرة هو زوالها في النهاية، إلّا أن مثل هذا القلق بالنسبة لنعم الجنّة لا معنى له [١].
كلمة (عباده) تعني عباد اللّه المؤمنين، لا جميع العباد، و التعبير (بالغيب) الذي جاء بعدها يعني غيبته و اختفاءه عن نظرهم إلّا أنّهم يؤمنون به. و في الآية (٣٠) من سورة الفجر نقرأ أيضا: فَادْخُلِي فِي عِبادِي وَ ادْخُلِي جَنَّتِي.
و يحتمل أيضا في معنى الغيب أنّ نعم الجنّة على هيئة لم ترها عين، و لم تسمع بها أذن، و لم تخطر على فكر و قلب بشر، و بكلمة واحدة: إنّها غائبة عن حسنا و إدراكنا، عالم أسمى و أوسع من هذا العالم، و نحن لا نرى منها إلا شبحا من بعيد بعين الروح و القلب.
ثمّ تشير بعد ذلك إلى نعمة أخرى من أكبر نعم الجنّة فتقول: لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً فلا كذب، و لا عداء، لا تهمة و لا جرح لسان، لا سخرية و لا حتى كلام لا فائدة فيه، بل الشيء الوحيد الذي يسمعونه هو السلام إِلَّا سَلاماً.
«السلام» بالمعنى الواسع للكلمة، و الذي يدل على سلامة الروح و الفكر و اللسان و السلوك و العمل.
السلام الذي جعل ذلك الجو و تلك البيئة جنة، و اقتلع كل نوع من الأذى منها.
السلام الذي هو علامة على المحيط الآمن، المحيط الملي بالصفاء و العلاقة الحميمة و الطهارة و التقوى الصلح و الهدوء و الاطمئنان.
و في آيات أخرى من القرآن جاءت هذه الحقيقة أيضا بتعبيرات مختلفة، ففي الآية (٧٣) من سورة الزمر نقرأ: وَ قالَ لَهُمْ خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوها خالِدِينَ. و في الآية (٣٤) من سورة ق: ادْخُلُوها بِسَلامٍ ذلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ
[١]- (عدن) في اللغة بمعنى الإقامة، و هنا تعطي هذا المعنى، بأن ساكني تلك الجنان سيكونون مقيمين فيها دائما.