الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٠٢ - من هم الذين لهم أهلية الشفاعة؟
يشاءون، و يقلبونهم كيف يشتهون! و من البديهي- كما قلنا ذلك مرارا- أن تسلّط الشياطين على بني آدم ليس تسلطا إجباريا، بل إنّ الإنسان الذي يسمح للشياطين بالنفوذ إلى قلبه و روحه، هو الذي يطوق رقبته بقيد العبودية لهم، و يقبل بطاعتهم، كما يقول القرآن في الآية (١٠٠) من سورة النحل: إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَ الَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ.
ثمّ يوجه القرآن المجيد الخطاب إلى النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم فيقول: فَلا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا و سنسجل كل شيء لذلك اليوم الذي تشكل فيه محكمة العدل الإلهي.
و هناك احتمال آخر في تفسير الآية، و هو أنّ المراد من عدّ أيّام عمر- بل أنفاس- هؤلاء، أنّ مدّة بقائهم قصيرة و داخلة تحت إمكان الحساب و العد، لأنّ حساب الشيء و عدّه كناية عادة عن قلته و قصره.
و نقرأ
في رواية عن الإمام الصادق عليه السّلام في تفسير إِنَّما نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا أنّه سأل أحد أصحابه، قال: «ما هو عندك؟» قال: عدد الأيّام، قال: «إنّ الآباء و الأمهات يحصون ذلك، و لكنه عدد الأنفاس» [١].
إنّ تعبير الإمام هذا يمكن أن يكون إشارة إلى التّفسير الأوّل، أو إلى التّفسير الثّاني، أو إلى كلا التّفسيرين.
و على كل حال، فإنّ دقة محتوى هذه الآية يهز الإنسان، لأنّها تثبيت أن كل شيء- حتى أنفاسنا- خاضعة للحساب و العد، و يجب أن نجيب يوما على كل هذه الأشياء و الأعمال.
ثمّ تبيّن المسير النهائي للمتقين و المجرمين في عبارات موجزة، فتقول: إنّ كل هذه الأعمال جمعناها و ادخرناها له: يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمنِ وَفْداً.
[١]- نور الثقلين، الجزء ٣، ص ٣٥٧.