الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٥٧ - كيف تمّ بناء سد ذي القرنين؟
و وضعه على جانبي هذا السد، و أشعل النار فيه ثمّ أمرهم بالنفخ فيه حتى احمرّ الحديد من شدة النّار: قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً.
لقد كان يهدف ذو القرنين من ذلك ربط قطع الحديد بعضها ببعض ليصنع منها سدا من قطعة واحدة، و عن طريق ذلك، قام ذو القرنين بنفس عمل «اللحام» الذي يقام به اليوم في ربط أجزاء الحديد بعضها ببعض.
أخيرا أصدر لهم الأمر الأخير فقال: اجلبوا لي النحاس المذاب حتى أضعه فوق هذا السد: قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً.
و بهذا الشكل قام بتغطية هذا السد الحديدي بطبقة النحاس حتى لا ينفذ فيه الهواء و يحفظ من التآكل.
بعض المفسّرين قالوا: إنّ علوم اليوم أثبتت أنّه عند إضافة مقدار من النحاس إلى الحديد فإنّ ذلك سيزيد من مقدار مقاومته، و لأنّ «ذا القرنين» كان عالما بهذه الحقيقة فقد أقدم على تنفيذه.
إنّ المشهور في معنى «قطر» هو ما قلناه (أي النحاس المذاب)، إلّا أنّ بعض المفسّرين فسّر ذلك ب «الخارصين المذاب» و هو خلاف المتعارف عليه.
و أخيرا، أصبح هذا السد بقدر من القوّة و الإحكام بحيث: فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَ مَا اسْتَطاعُوا لَهُ نَقْباً.
لقد كان عمل ذي القرنين عظيما و مهما، و كان له وفقا لمنطق المستكبرين و نهجهم أن يتباهى به أو يمنّ به، إلّا أنّه قال بأدب كامل: قالَ هذا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي لأنّ أخلاقه كانت أخلاقا إلهية.
إنّه أراد أن يقول: إذا كنت أملك العلم و المعرفة و أستطيع بواسطتهما أن أخطو خطوات مهمّة، فإنّ كل ذلك إنما كان من قبل الخالق جلّ و علا، و إذا كنت أملك قابلية الكلام و الحديث المؤثّر فذلك أيضا من الخالق جلّ و علا.
و إذا كانت مثل هذه الوسائل و الأفكار في اختياري فإنّ ذلك من بركة اللّه