الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٣٨ - المسيح يتكلم في المهد
و كذلك جعلني مطيعا و وفيا لأمي وَ بَرًّا بِوالِدَتِي [١] وَ لَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيًّا.
كلمة «جبار» تطلق على الشخص الذي يعتقد بأنّ له كل الحق على الناس و لا يعتقد بأنّ لأحد عليه حقا.
و كذلك يطلقونها على الذي يضرب الناس و يقتلهم إذا غضب، و لا يتبع ما يأمر به العقل، أو أنّه يريد أن يسد نقصه و يغطيه بادعاء العظمة و التكبر، و هذه كلها صفات بارزة للطواغيت المستكبرين في كل زمان [٢].
و «الشقي» تقال للشخص الذي يهيء أسباب البلاء و العقاب لنفسه، و بعضهم فسر ذلك بالذي لا يقبل النصيحة، و من المعلوم أن هذين المعنيين لا ينفصلان عن بضعهما.
و نقرأ
في رواية، أن عيسى عليه السّلام يقول «قلبي رقيق و أنا صغير في نفسي» [٣]
و هو إشارة إلى أن هذين الوصفين يقعان في مقابل الجبار و الشقي.
و في النهاية يقول هذا المولود- أي المسيح- وَ السَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَ يَوْمَ أَمُوتُ وَ يَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا و كما قلنا في شرح الآيات المتعلقة بيحيى عليه السّلام، فإنّ هذه الأيّام الثلاثة في حياة الإنسان أيّام مصيرية خطرة، لا تتيسر السلامة فيها إلّا بلطف اللّه، و لذلك جاءت هذه الآية في حق يحيى عليه السّلام كما وردت في شأن المسيح عليه السّلام، مع الاختلاف بأنّ اللّه هو الذي قالها في المورد الأوّل، أمّا في المورد الثّاني فإنّ المسيح قد طلب ذلك.
[١]- البر- بالفتح- بمعنى الشخص المحسن، في حين أن البر- بالكسر- بمعنى صفة الإنسان، و ينبغي الالتفات إلى أن هذه الكلمة في الآية عطف على (مباركا) لا على الصلاة و الزكاة، و المعنى في الواقع: جعلني برا بوالدتي.
[٢]- لزيادة التوضيح حول (جبار)، و جواب هذا السؤال، و هو أنّه كيف تكون إحدى صفات اللّه سبحانه أنّه جبار؟
يراجع ذيل الآية (٥٩) من سورة هود من هذا التّفسير.
[٣]- تفسير الفخر الرازي، آخر الآية.