الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٠ - بلوغ زكريا أمله
مثلك، و امرأة عقيم ظاهرا وَ قَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَ لَمْ تَكُ شَيْئاً، فإنّ اللّه قادر على أن يخلق كل شيء من العدم، فلا عجب أن يتلطف عليك بولد في هذا السن و في هذه الظروف.
و لا شك أنّ المبشر و المتكلم في الآية الأولى هو اللّه سبحانه، إلّا أن البحث في أنّه هو المتكلم في الآية الثّالثة: قالَ كَذلِكَ قالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ.
ذهب البعض بأنّ المتكلم هم الملائكة الذين كانوا واسطة لتبشير زكريا، و الآية (٣٩) من سورة آل عمران يمكن أن تكون شاهدا على ذلك: فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَ هُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيى.
لكن الظاهر هو أنّ المتكلم في كل هذه الأحوال هو اللّه سبحانه، و لا دليل- أو سبب- يدفعنا إلى تغييره عن ظاهره، و إذا كانت الملائكة وسائط لنقل البشارة، فلا مانع- أبدا- من أن ينسب اللّه أصل هذا الإعلان و البشارة إلى نفسه، خاصّة و أنّنا نقرأ في الآية (٤٠) من سورة آل عمران: قالَ كَذلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ.
و قد سرّ زكريا و فرح كثيرا لدى سماعه هذه البشارة، و غمر نفسه نور الأمل، لكن لما كان هذا النداء بالنسبة إليه مصيريا و مهما جدا، فإنّه طلب من ربّه آية على هذا العمل: قالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً.
لا شك أنّ زكريا كان مؤمنا بوعد اللّه، و كان مطمئنا لذلك، إلّا أنّه لزيادة الاطمئنان- كما أنّ إبراهيم الذي كان مؤمنا بالمعاد طلب مشاهدة صورة و كيفية المعاد في هذه الحياة ليطمئن قلبه- طلب من ربّه مثل هذه العلامة و الآية، فخاطبه اللّه: قالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيالٍ سَوِيًّا و اشغل لسانك بذكر اللّه و مناجاته.
لكن، أية آية عجيبة هذه! آية تنسجم من جهة مع حال مناجاته و دعائه، و من جهة أخرى فإنّها تعزله عن جميع الخلائق و تقطعه إلى اللّه حتى يشكر اللّه