الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٥ - ١- المراد من الإرث
أمّا الذين يعتقدون بأن الإرث هنا هو الإرث المعنوي، فقد تمسكوا بقرائن في نفس الآية، أو خارجة عنها، مثل:
١- يبدو من البعيد أن نبيّا كبيرا كزكريا، و في ذلك السن الكبير، يمكن أن تشغل فكره مسألة ميراث ثروته، خاصّة و أنّه يضيف بعد جملة يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ جملة وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا، و لا شك أن هذه الجملة إشارة إلى الصفات المعنوية لذلك الوارث.
٢- إنّ اللّه سبحانه لما بشره بولادة يحيى في الآيات القادمة، فإنّه ذكر صفات و مقامات معنوية عظيمة، و من جملتها مقام النبوة.
٣- إن الآية (٣٨) من سورة آل عمران بينت السبب الذي دفع زكريا إلى هذا الطلب و الدعاء، و أنّه فكر في ذلك عند ما شاهد مقامات مريم حيث كان يأتيها رزقها من طعام الجنّة في محرابها بلطف اللّه: هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ.
٤- ورد في بعض الأحاديث عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم ما يؤيد أن الإرث هنا يراد به الإرث المعنوي، و خلاصة الحديث
أنّ الإمام الصادق عليه السّلام روى عن النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: إنّ عيسى بن مريم مرّ على قبر كان صاحبه يعذب، و مرّ عليه في العام الثّاني فرأى صاحب ذلك القبر لا يعذب، فسأله ربّه عن ذلك، فأوحى اللّه إليه أنّه لصاحب هذا القبر ولد صالح قد أصلح طريقا و آوى يتيما، فغفر اللّه له بعمل ولده. ثمّ قال النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «ميراث اللّه من عبده المؤمن ولد يعبده من بعده»، ثمّ تلا الإمام الصادق عند نقله هذا الحديث الآية المرتبطة بزكريا: فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا يَرِثُنِي وَ يَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَ اجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا [١].
فإن قيل: إن ظاهر كلمة الإرث هو إرث الأموال.
فيقال في الجواب: إن هذا الظهور ليس قطعيا، لأنّ هذه الكلمة قد استعملت
[١]- نور الثقلين، الجزء ٣، ص ٣٢٣ و ٣٢٤.