الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٩٥ - التّفسير
أجل أن يروا العقاب الإلهي الشديد، فإنّ اللّه سبحانه يجعلهم أحيانا يغوصون و يغرقون في النعم لتصبح سببا لغرورهم، كما تكون سببا لنزول العذاب عليهم، فإنّ سلب النعم عنهم حينئذ سيجعل لوعة العذاب أشد. و هذا هو ما ذكر في بعض آيات القرآن بعنوان عقاب «الاستدراج» [١].
جملة فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمنُ مَدًّا و إن كانت بصيغة الأمر، إلّا أنّها بمعنى الخبر، فمعناها: إنّ اللّه يمهل هؤلاء و يديهم عليهم النعم.
و قد فسرها بعض المفسّرين بنفس معنى الأمر أيضا، و أنّه يعني هنا اللعنة، أو وجوب مثل هذا العمل و المعاملة على اللّه. إلّا أنّ التّفسير الأوّل يبدو هو الأقرب.
و كلمة (العذاب) بقرينة وقوعها في مقابل (الساعة) فإنّها إشارة إلى العقوبات الإلهية في عالم الدنيا، عقوبات كطوفان نوح، و الزلزلة، و الحجارة السماوية التي نزلت على قوم لوط. أو العقوبات التي أصيبوا بها على يد المؤمنين و المقاتلين في جبهات الحق، كما نقرأ في الآية (١٤) من سورة التوبة: قاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ.
«الساعة» هنا إمّا بمعنى نهاية الدنيا، أو العذاب الإلهي في القيامة. و يبدو لنا أن المعنى الثّاني هو الأنسب.
هذه عاقبة و مصير الظالمين المخدوعين بزخرف الدنيا و زبرجها، أمّا أولئك الذين آمنوا و اهتدوا، فإنّ اللّه يزيدهم هدى و إيمانا وَ يَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً.
من البديهي أن للهداية درجات، فإذا طوى الإنسان درجاتها الأولى فإنّ اللّه يأخذه بيده و يرفعه إلى درجات أعلى، و كما أنّ الشجرة المثمرة تقطع كل يوم
[١]- راجع ذيل الآيات ١٨٢، ١٨٣ من سورة الأعراف.