الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٤١ - عصا موسى و اليد البيضاء
و هنا صدر الأمر لموسى قالَ خُذْها وَ لا تَخَفْ سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى [١].
و في الآية (٣١) من سورة القصص نقرأ: وَلَّى مُدْبِراً وَ لَمْ يُعَقِّبْ يا مُوسى أَقْبِلْ وَ لا تَخَفْ.
و بالرغم من أن خوف موسى هنا قد أثار التساؤل لدى بعض المفسّرين بأن هذه الحالة كيف تناسب موسى مع الشجاعة التي عهدنا لدى موسى، و أثبتها عمليا طوال عمره عند محاربته الفراعنة؟ إضافة إلى صفات و شروط الأنبياء بصورة عامّة.
إلّا أنّ الجواب عن هذا السؤال يتّضح بملاحظة نكتة واحدة، و هي أن من الطبيعي أن كل إنسان، مهما كان شجاعا و غير هياب، إذا رأى فجأة قطعة خشب تتحول إلى حية عظيمة و تتحرك بسرعة، فلا بدّ أن يرتبك و يخاف و لو لمدّة قصيرة و يسحب نفسه جانبا توقيا، إلّا أن يكون هذا المشهد قد تكرر أمامه مرارا، ورد الفعل الطبيعي هذا لا يكون نقطة ضعف ضد موسى أبدا. و لا تنافي الآية (٣٩) من سورة الأحزاب حيث تقول: الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسالاتِ اللَّهِ وَ يَخْشَوْنَهُ وَ لا يَخْشَوْنَ أَحَداً إِلَّا اللَّهَ فإن هذا الخوف طبيعي و مؤقت و سريع الزوال أمام حادثة لم تحدث من قبل قط، و خارق للعادة.
ثمّ أشارت الآية التالية إلى المعجزة المهمّة الثّانية لموسى، فأمرته: وَ اضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى [٢].
و بالرغم من أنّ للمفسّرين في تفسير جملة وَ اضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ ...
أقوالا مختلفة، إلّا أنّه بملاحظة الآية (٣٢) من سورة القصص، و التي تقول:
اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ و الآية (١٢) من سورة النمل، و التي تقول:
[١]- «السيرة»- كما يقول الراغب في المفردات- بمعنى الحالة الباطنية، سواء غريزية أو اكتسابية و البعض فسرها هنا بمعنى الهيئة و الصورة.
[٢]- آية منصوبة على أنها اسم حال محل الحال، و الحال لضمير مستتر في (تخرج).