الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٤٨ - ملاحظة تاريخية هامة حول الهجرة الأولى
قومهم، فأخذوا من حاشية النجاشي عهدا بأنّهم متى ما استشارهم النجاشي فإنّه سيؤيدون هذه الفكرة و يقولون: إن قوم هؤلاء أعلم بحالهم. ثمّ أدخلوا على الملك و كرروا ما توطئوا عليه.
لقد كانت هذه الخطة تسير خطواتها بدقة نحو الأمام، و قد أصبحت هذه الكلمات الخداعة، مع تلك الهدايا الكثيرة سببا في أن تصدق حاشية النجاشي هؤلاء.
و بعد أن سمع النجاشي أقوالهم غضب و قال: لا و اللّه، لا أسلم قوما جاوروني و نزلوا بلادي و اختاروني على من سواي حتى أدعوهم و أسألهم عمّا يقول هذا، فإن كانا صادقين سلمتهم إليهما، و إن كانوا على غير ما يذكر هذان منعتهم و أحسنت جوارهم.
تقول أم سلمة: فبعث النجاشي إلى المسلمين، فتشاوروا فيما بينهم فيما يقولون، و استقر رأيهم على أن يقولوا الحقيقة، و يشرحوا تعليمات النّبي صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و برنامج الإسلام، و ليكن ما يكون! لقد كان ذلك اليوم الذي عيّن لهذه الدعوة يوما عصيبا، فإنّ كبار النصارى و علماءهم كانوا قد دعوا إلى ذلك المجلس، و كانت الكتب المقدسة في أيديهم، فاستقبل النجاشي المسلمين و سألهم: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم و لم تدخلوا في ديني و لا دين أحد من الملل؟
فتصدى جعفر بن أبي طالب عليه السّلام للجواب و قال:
«أيّها الملك كنّا أهل جاهلية نعبد الأصنام و نأكل الميتة و نأتي الفواحش و نقطع الأرحام و نسيء الجوار و يأكل القوي منّا الضعيف حتى بعث اللّه إلينا رسولا منّا نعرف نسبه و صدقه و أمانته و عفافه فدعانا لتوحيد اللّه و أن لا نشرك به شيئا و نخلع ما كنّا نعبد من الأصنام و أمرنا بصدق الحديث و أداء الأمانة و صلة الرحم و حسن الجوار و الكف عن المحارم و الدماء، و نهانا عن الفواحش و قول الزور