الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٨ - لا استعجال في العقاب الإلهي
الكثير من الآيات القرآنية، إذ نقرأ على سبيل المثال قوله تعالى في الآية (١٥٥) من سورة النساء: بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْها بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا.
و لكن هناك من يتذرّع بشتى الحجج و الذرائع لإثبات فكرة الجبر و دعم مذهبه في ذلك، دون أن يأخذ بنظر الاعتبار بقية هذه الآية، و سائر الآيات القرآنية الأخرى التي تفسرها، بل يعتمد على ظواهر ألفاظ الآيات و يتخذها سندا لإثبات مقولة الجبر، في حين أنّ الجواب على ذلك- كما أسلفنا- واضح بدرجة كبيرة.
إنّ البرنامج التربوي للخالق جلّ و علا هو أن يعطي لعباده الفرصة بعد الأخرى، و هو جلّ و علا لا يعاقب بشكل فوري مثل الجبارين و الظالمين، بل إنّ رحمته الواسعة تقتضي دوما إعطاء أوسع الفرص للمذنبين، لذا فإنّ الآية التي بعدها تقول: وَ رَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ.
لَوْ يُؤاخِذُهُمْ بِما كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذابَ. فإذا كانت الإرادة الإلهية تقتضي إنزال العذاب بسبب ارتكابهم للذنوب لتحقّق ذلك فورا.
بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا [١].
فغفرانه تعالى يقضي أن يرحم التوابين، و رحمته تقضي أن لا يعجّل عذاب غيرهم، إذ من المحتمل أن يلتحق بعضهم بصفوف التوابين، إلّا أن عدالته تعالى تقتضي مجازاة المذنبين العاصين الظالمين عند ما يصل طغيانهم و تمردهم إلى أقصى درجاته، و عند ما يكون بقاء مثل هؤلاء الأفراد الفاسدين المفسدين الذين لا يوجد أمل في إصلاحهم، عبثا و بدون فائدة، لذا ينبغي تطهير الأرض منهم، و من لوث وجودهم.
[١]- (موئل) من كلمة (وئل) و تعني الملجأ و وسيلة النجاة.