الامثل في تفسير كتاب الله المنزل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٨ - الحفاة الأطهار!
تصوروا هل يمكن شرب الماء الذي إذا اقترب من الوجه فإنّ حرارته ستشوي الوجه؟ إن ذلك بسبب أنّهم شربوا في الدنيا أنواع المشروبات المنعشة و الباردة، في حين أنّهم أجّجوا في قلوب المحرومين نيرانا، إنّ هذه النار هي نفسها التي تجسدت في الآخرة بهذا الشكل.
و الطريف في أمر هؤلاء أنّ القرآن ذكر لهم بعض «التشريفات» و هم في جهنّم. لقد كان لهؤلاء في حياتهم الدنيا (سرادق) عالية و باذخة ليس فيها نصيب للفقراء، و هذه السرادق ستتحوّل إلى خيام عظيمة من لهيب نار جهنّم! و في هذه الدنيا تتوفر لديهم أنواع المشروبات التي تحضر بين أيديهم بمجرّد مناداة الساقي، و في جهنّم يوجد أيضا ساق و أشربة، أمّا ما هو نوع الشراب؟ إنّه ماء كالمعدن المذاب! حرارته كحرارة دموع اليتامى و آهات المستضعفين و الفقراء الذين ظلمهم هؤلاء الأغنياء! نعم، إنّ كل ما هو موجود هناك (في الآخرة) هو تجسيد لما هو موجود هنا (في الدنيا).
و بما أنّ أسلوب القرآن أسلوب تربوي و تطبيقي، فإنّه بعد ما بيّن أوصاف و جزاء عبيد الدنيا، ذكر حال المؤمنين الحقيقيين و جوائزهم الثمينة الغالية التي تنتظرهم جزاء ما فعلوا. لقد أجملت الآية كل ذلك بشكل مختصر، ثمّ بشكل تفصيلي نوعا ما.
ففي البدء قال تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا أي إنّنا لا نضيع أعمال العاملين قليلة كانت أو كثيرة، كلية أو جزئية، و من أي شخص و في أي عمر كان:
أُولئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ (الجنات الخالدة).
تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهارُ (من تحت الأشجار و القصور).
يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ [١].
[١]- «أساور» جمع «أسورة» على وزن «مشورة» و هي بدورها جمع (سوار) على وزن (غبار) و (كتاب) و هي في