شهر الله في الكتاب و السنّة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ٣٤٤
والمستحبّات ، ويختار منها ـ بعد مراعاة حاله ـ الأفضل فالأفضل . ومن جملة ذلك ما ورد في الأخبار الكثيرة من زيادة النوافل في هذا الشهر بألف ركعة ، فإن رأى العمل بالنسبة إليه أحسن،فهنيئاً له في توفيقه بذلك،ولكن لايترك الدعوات الواردة فيها [١] ؛فإنّ فيها مضامين عاليةً بعضُها لايوجد في غيرها من الدعوات،وليكن في ذلك حيّاً وصادقاً فيكون حظّه من قراءتها المناجاة مع قاضي الحاجات ، لا مجرّد التفوّه بالألفاظ، فإن حصل له حقيقة ما يقوله،ويصف من حاله ومقامه في هذه الدعوات ، فطوبى له وحسن مآب! فإنّ العبد إذا اتّصف قلبه بحال ـ مثلاً ـ يدعو فيه لنفسه الويل ، ويذكر ( من ) ويله وثبوره : أنّ ذنوبه بحيث لو علمت بها الأرض لاَبتَلَعَتهُ ، ولو عَلِمَت بها الجبالُ لَهدَّتهُ ، ولو علمت بها البحار لأغرقَتهُ ـ كما ذكر ذلك في بعض الأدعية ـ فإنّ ذلك حالٌ أظُنُّ أنّه لو حصل لإبليس لَأنجاهُ ، وكيف بمسلمٍ أو مؤمن!؟ [و] لاسيّما إذا كان خوفه واضطرابه من سَخَط مولاه أشدَّ من اضطرابه من عذاب النار كما يذكره بعد هذه الفقرات . فهذا حالٌ سَنِيٌّ [٢] لا يوجد في قلب إلاّ وربُّهُ عنه راضٍ ، وهكذا غيرُها من المضامين الفاخرة الّتي أودَعوها في هذه الدعوات ؛ فإنّها مثارُ حالاتٍ وصفاتٍ للنفس والقلبِ يُحييهما ويُنجيهما من الهَلَكاتِ ، ويوصلهما إلى سنيّ الحالات وعالي الدرجات . ثمّ إنّ العامل إن كسل في بعض الأوقات ولم يكن له نشاطٌ للعمل ، فله أن يراقب حاله ، فإن ظنّ من حاله أنّه لو اشتغل بالعمل ـ ولو بالتعمّل ـ يورث له الحالَ ، فليَشتَغِل ولا يترك حتّى لا يتمكّن الخبيث من نفسه ؛ فإنّ الإنسان إن ترك العمل بمجرّد الكسل ، فإنّه ينجرّ ذلك إلى الترك الكلّيّ ، ولكن يتأمّل ويجتهد في حاله ، فإن رآه بترك عمل يزيد شوقه إليه فيما يأتي فليترك ولا يعوّد نفسه بالعمل عن الكسل ، وإن رأى أنّ تركه يورث تركاً آخر فليَعمَل ولا يترك ، وكثيراً ما يدخل السالك في العمل بالضجر والكسل ، ثمّ يحسن حاله في الأثناء فوق الأمل ، وله ألاّ يخطئ في اجتهاده في ترجيح الترك على العمل ؛ فإنّ الكسل في النفس أحلى من العسل ، وذلك قد يُعميهِ عن معرفة حقّ الواقع هذا . [٣]
[١] أوردنا هذه الدعوات الواردة عقيب النوافل المذكورة في كتابنا هذا من ص ٣٦٠ إلى ص ٣٩٨ .[٢] السنيّ : الرفيع (لسان العرب : ١٤ / ٤٠٣).[٣] المراقبات : ١٣١ .