موسوعة ميزان الحکمة - المحمدي الري شهري، الشيخ محمد - الصفحة ١٨٣
٤٣٥٢.عنه عليه السلام ـ مِن كِتابٍ لَهُ إلى بَعضِ عُمّا أمّا بَعدُ ، فَإِنّي كُنتُ أشرَكتُكَ في أمانَتي ، وجَعَلتُكَ شِعاري وبِطانَتي ، ولَم يَكُن رَجُلٌ مِن أهلي أوثَقَ مِنكَ في نَفسي ، لِمُواساتي ومُوازَرَتي ، وأداءِ الأَمانَةِ إلَيَّ . فَلَمّا رَأَيتَ الزَّمانَ عَلَى ابنِ عَمِّكَ قَد كَلِبَ [١] ، وَالعَدُوَّ قَد حَرِبَ ، وأمانَةَ النّاسِ قَد خَزِيَت ، وهذِهِ الاُمَّةَ قَد فَنَكَت [٢] وشَغَرَت ، قَلَبتَ لِابنِ عَمِّكَ ظَهرَ المِجَنِّ ، فَفارَقتَهُ مَعَ المُفارِقينَ ، وخَذَلتَهُ مَعَ الخاذِلينَ ، وخُنتَهُ مَعَ الخائِنينَ . فَلَا ابنَ عَمِّكَ آسَيتَ ، ولَا الأَمانَةَ أدَّيتَ . وكَأَنَّكَ لَم تَكُنِ اللّه َ تُريدُ بِجِهادِكَ . وكَأَنَّكَ لَم تَكُن عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّكَ . وكَأَنَّكَ إنَّما كُنتَ تَكيدُ هذِهِ الاُمَّةَ عَن دُنياهُم ، وتَنوي غِرَّتَهُم عَن فَيئِهِم . فَلَمّا أمكَنَتكَ الشِّدَّةُ في خِيانَةِ الاُمَّةِ ، أسرَعتَ الكَرَّةَ ، وعاجَلتَ الوَثبَةَ ، وَاختَطَفتَ ما قَدَرتَ عَلَيهِ مِن أموالِهِمُ المَصونَةِ لِأَرامِلِهِم وأيتامِهِمُ اختِطافَ الذِّئبِ الأَزَلِّ [٣] دامِيَةَ المِعزَى الكَسيرَةَ ، فَحَمَلتَهُ إلَى الحِجازِ رَحيبَ الصَّدرِ بِحَملِهِ ، غَيرَ مُتَأَثِّمٍ مِن أخذِهِ ، كَأَنَّكَ ـ لا أبا لِغَيرِكَ ـ حَدَرتَ إلى أهلِكَ تُراثَكَ مِن أبيكَ واُمِّكَ . فَسُبحانَ اللّه ِ! أما تُؤمِنُ بِالمَعادِ ؟ أوَ ما تَخافُ نِقاشَ الحِسابِ ؟ أيُّهَا المَعدودُ كانَ عِندَنا مِن اُولِي الأَلبابِ ، كَيفَ تُسيغُ شَراباً وطَعاما وأنتَ تَعلَمُ أنَّكَ تَأكُلُ حَراما ، وتَشرَبُ حَراما ؟ وتَبتاعُ الإِماءَ ، وتَنكِحُ النِّساءَ مِن أموالِ اليَتامى ، وَالمَساكينِ ، وَالمُؤمِنينَ ، وَالمُجاهِدينَ الَّذينَ أفاءَ اللّه ُ عَلَيهِم هذِهِ الأَموالَ ، وأحرَزَ بِهِم هذِهِ البِلادَ ؟
[١] كَلِبَ : أي اشتدّ (النهاية : ج ٤ ص ١٩٥ «كلب») .[٢] فَنَكَ : كَذِبَ ، ولَجّ فيه (لسان العرب : ج ١٠ ص ٤٨٠ «فنك») .[٣] الأَزَلُّ ـ في الأصل ـ : الصَّغير العَجُز ، وهو من صفات الذئب الخفيف . وقيل : هو من قولهم : زلَّ زليلاً ؛ إذا عَدا (النهاية : ج ٢ ص ٣١١ «زلل») .