حلية الأبرار في أحوال محمد و آله الأطهار(ع) - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٣٦٨ - الباب الثاني و الأربعون في صبره و امتحانه
أنهضهم له و أمرهم به، و تقدّم إليهم من ملازمة أميرهم، و السّير معه تحت لوائه حتى ينفذ لوجهه الّذي أنفذه إليه.
فخلّفوا أميرهم مقيما في عسكره، و أقبلوا يتبادرون على الخيل إلى حلّ عقدة عقدها اللّه عزّ و جلّ لي و لرسوله في أعناقهم فحلّوها، و عهد عاهدوا اللّه و رسوله فنكثوه، و عقدوا لأنفسهم عقدا ضجّت به أصواتهم و اختصّت به آراؤهم، من غير مناظرة لأحد منّا بني عبد المطّلب، أو بمشاركة في رأي، أو في استقالة [١] لما في أعناقهم من بيعتي، فعلوا ذلك و أنا برسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) مشغول، و بتجهيزه عن سائر الأشياء مصدود [٢]، فإنّه كان أهمّها و أحقّ ما بدىء به منها.
فكان هذا يا أخا اليهود أقرح [٣] ما ورد على قلبي مع الّذي أنا فيه من عظيم الرزيّة، و فاجع المصيبة، و فقد من لا خلف منه إلّا اللّه تبارك و تعالى، فصبرت عليها إذ أتت بعد أختها على تقاربها و سرعة اتصالها، ثم التفت إلى أصحابه فقال: أليس كذلك؟ قالوا: بلى يا أمير المؤمنين.
فقال (عليه السلام): و أما الثّالثة يا أخا اليهود فإنّ القائم بعد النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) كان يلقاني معتذرا في كلّ أيامه، و يلزم [٤] غيره ما ارتكبه من أخذ حقّي و نقض بيعتي، و يسألني تحليله! فكنت أقول: تنقضي أيّامه ثم يرجع إليّ حقّي الّذي جعله اللّه لي عفوا [٥] هنيئا من غير أن أحدث في الإسلام مع حدوثه، و قرب عهده بالجاهلية حدثا في طلب حقّي بمنازعة، لعلّ فلانا يقول فيها: نعم، و فلانا يقول: لا، فيؤول ذلك من القول إلى الفعل، و جماعة من خواصّ أصحاب محمّد (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) أعرفهم بالنصح للّه
[١] استقاله البيعة: طلب منه أن يحلّها.
[٢] المصدود: الممنوع.
[٣] قرحه: جرحه.
[٤] أي كان يقول: لم يكن هذا منّي بل كان من غيري- و في المصدر: يلوم غيره.
[٥] جعله اللّه لي عفوا: أعطاني من غير مسألة.