الأمراض الأخلاقية - فوزي آل سيف - الصفحة ٨٧ - التكبر وشخصياته غير المعروفة
قد يوجد عالِم يحمل علمًا كثيرًا، لكن علمه ذاك لم يؤثر في تهذيب نفسه، وقد لا يملك الأموال الطائلة ولا الهيئة البهية المشيرة إلى تعاظمه، ولكنه مع ذلك متكبر في داخله، فهذا نفسه قد يطلع على بحث لعالم أو فكرة لفقيه.. فيقول لتلامذته أو من يسمعون كلامه! ما هذه التلفيقات؟ هل هذا له معرفة علمية؟ إن هذا البحث لا قيمة له ولا يسوى قيمة الحبر الذي كتب به! هذا مع أن الواقع غير ذلك؟ ولكنه أراد إظهار نفسه بمظهر العالم الفحل الذي لا يُشق غبارُه ولا يُبلَغ مقداره.
وقد يتعاظم هذا العالم في نفسه على غيره، حتى يصبح كتلة من التكبر، فلا يرى أحدًا يعادله ولا فكرة إلا وهو محيطٌ بها، ولا علم إلا لديه، وأما غيره فهم لا يفقهون ولا يفهمون! وربما لا يستطيع إخراج هذا الكلام للمجتمع ـ لجهات ـ لكنه يستشعر هذا في نفسه، ويعتقد به.. هذا من الكبر الذي قيل عنه (إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ).[١]
وقد يكون بحث ذلك العالم (المنتقَد) أو كتابه، يحصل من التوفيق، لسلامة نية كاتبه ما ينتشر معه في كل مكان، ويصبح حديث كل لسان بينما يبقى هذا المتعاظم في نفسه لا يؤثر حتى في طلابه، وينسى ذكره ولا يكون له من أثر.[٢]
وقد يكون طالب العلم أو الخطيب والموجه مثالًا للتكبر، حين يعتقد في قرارة
[١] [٨١] غافر: ٥٦
[٢]) قد يكون هذا بشكل طبيعي حيث يكتسب المتواضع محبة الناس فيعظم في أعينهم ويزداد حضوره بينهم بعكس المتكبر الذي لا يرتاح إليه الناس فلا يذكر وإذا ذكر فبالانتقاد، وقد يوجد بالإضافة إلى العامل الاجتماعي عامل غيبي، وهو ما قد يشير له أحاديث؛ منها ما عن أمير المؤمنين عليّ ٧: ما من أحد من ولد آدم إلا وناصيته بيد ملك، فإن تكبر جذبه بناصيته إلى الأرض وقال له: تواضع وضعك الله! وإن تواضع جذبه بناصيته ثم قال له: ارفع رأسك رفعك الله، ولا وضعك بتواضعك الله. كما في ميزان الحكمة ٤/ ٣٥٥٩