الأمراض الأخلاقية - فوزي آل سيف - الصفحة ١٤ - الاستبداد بالرأي منشؤه وأثره
الرَّشَادِ).[١]فالنظر الصحيح هو نظري، والفكرة السليمة هي فكرتي ليس إلا! ولا ينبغي أن تفكروا إلا في إطار تفكيري وقواعدي.
وإن من الطبيعي جدًا في من يعتقد أنه ربهم الأعلى ويخاطبهم على هذا الأساس، ألّا يسمح لهم بالتفكير خارج الحدود التي عينها لهم.
وبشيء من التدبر نلحظ أن فرعون لم يكن لديه خصلة الاستبداد بالرأي فحسب، بمعنى أنه يطبق رأيه ولا يهتم لرأي غيره، بل هناك مرحلة أسوأ وهي أنه يستنكر على الناس أن يكون لهم رأي غير رأيه. أو أن يفكروا بغير طريقته، وأن يروا الأمور بغير الصورة التي يراها هو! رته، (مَا أُرِيكُمْ إِلا مَا أَرَى). وهذا من أقصى درجات الاستبداد المطلق بالرأي.
وفي مقابل ذلك يقدم القرآن الكريم صورة بديعة في المشاورة مع الآخرين وتقليب الرأي بحضورهم والاستماع إليهم وهي صور ملكة سبأ التي ما إن جاءها كتاب سليمان (إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ. إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ) حتى استدعت وزراءها وأركان مملكتها قائلة لهم: (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَّىٰ تَشْهَدُونِ)،[٢]أي أني أحتاج إلى رأيكم وإني لا أقطع بالقرار حتى نتناقش فيه وتبينوا آراءكم!
ومن المفارقة، أن الموقف الجميل في المشاورة، يأتي من امرأة مع ما اشتهر اجتماعيًا عن النساء من تسرعهن في اتخاذ القرارات بصورة عاطفية! بينما الموقف القبيح الاستبدادي يأتي من رجل! يفترض فيه أنه أقرب إلى الحكمة والتعقل.
[١]) غافر: ٢٩
[٢] النمل: ٣٠ و ٣٢