شرح اسماء الله الحسنى - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٩٣ - فصل تبارك من البركة و كيفية التبرك بها
و قال صلى اللّه عليه و سلم: «اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون» عفا عنهم ثم تشفع لهم ثم اعتذر عنهم.
و يجب أن يكون متبركا بخلق اللّه يطالعهم بعين الإضافة لا بعين الصورة.
و قد حكى أن شيخا من المشايخ اجتمع عنده مال لعمارة بعض الرباطات فمر به قوم من اللصوص فتشبهوا بزى الصالحين و أخفوا سلاحهم و استضافوه، فلما قدم إليهم الطعام و غسلوا أيديهم و كانت له أننة[١] زمنة فشربت و استعملت من ذلك الماء تبركا بالضيفان، فشفاها اللّه تعالى فى الوقت، فجاء الشيخ و تلطف بهم و قال: إنكم مباركون ... و قص عليهم القصة، فوقع عليهم الندم و قالوا: إنا لغير هذا حضرنا، و لكن بعد ما أحسن اللّه إلينا هذا الإحسان و أسبل علينا هذا الستر فقد تبنا.
[١] -هى التى يسمع لها صوت أنين بسبب المرض، و كانت مريضة بمرض مزمن يدوم و يستمر. حقيقة الاسم و المسمى و التسمية المشهور من قول أهل الحق رحمهم اللّه تعالى: أن الاسم نفس المسمى و غير التسمية، و قالت المعتزلة: إنه غير التسمية و غير المسمى، و اختار الشيخ الغزالى رضى اللّه عنه أن الاسم و المسمى و التسمية أمور ثلاثة متباينة.
و اعلم أن القول بأن الاسم نفس المسمى أو غيره لا بد و أن يكون مسبوقا ببيان أن الاسم ما هو؟ و أن المسمى ما هو؟ و أن التسمية ما هى؟ فإن كل تصديق لا بد و أن يكون مسبوقا بتصور ماهية المحكوم عليه و المحكوم به.
فنقول: إن كان الاسم عبارة عن اللفظ الدال على الشيء بالوضع و كان المسمى عبارة عن نفس ذلك الشيء فالعلم الضرورى حاصل بأن الاسم غير المسمى، و إن كان الاسم عبارة عن ذات الشيء و المسمى أيضا ذات الشيء كان معنى قولنا الاسم نفس المسمى هو أن ذات الشيء نفس ذات الشيء، و هذا مما لا يمكن وقوع النزاع فيه بين العقلاء، فثبت أن الخلاف الواقع فى هذه المسألة إنما كان بسبب أن التصديق ما كان بالتصور، و هذا القدر كاف فى هذه المسألة.
و كان اللائق بالعقلاء أن لا يجعلوا هذا الموضع مسألة خلافية، بل هاهنا دقيقة يمكن أن يحمل عليها قول من قال: الاسم نفس المسمى، و هو أن العقلاء اتفقوا على أن لفظ الاسم اسم لكل ما يدل على معنى من غير أن يكون دالا على زمان معين، و لا شك أن لفظ الاسم كذلك، فليزم من هاتين المقدمتين أن يكون الاسم مسمى بالاسم، فهاهنا الاسم و المسمى واحد قطعا، إلا أن فيه إشكالا و هو: أن اسم الشيء مضاف إلى الشيء و إضافة الشيء إلى نفسه محال، فامتنع كون الشيء الواحد اسما لنفسه، فهذا حاصل التحقيق فى هذه المسألة.
و لنرجع إلى الكلام المألوف فنقول: الّذي يدل على أن الاسم غير المسمى وجوه:
الحجة الأولى: أسماء اللّه تعالى كثيرة و المسمى ليس بكثير، فالاسم غير المسمى، إنما قلنا أسماء اللّه كثيرة لوجوه:
أحدها: قوله تعالى: وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها( الأعراف: ١٨٠).
و ثانيها: قوله صلى اللّه عليه و سلم:« إن للّه تسعا و تسعين اسما».
و ثالثها: قوله تعالى: اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى( ٨)( طه).
و أما أن المسمى بهذه الأسماء ليس بكثير فهو متفق عليه.
فثبت أن الأسماء كثيرة و أن المسمى ليس بكثير، و كانت الأسماء مغايرة للمسمى لا محالة.
فإن قيل: لا نسلم أن الأسماء كثيرة، و ما ذكرتم من القرآن و الخبر محمول على كثرة التسميات لا على كثرة الأسماء، سلمنا أن الأسماء كثيرة لكن لا نسلم أن المسمى واحد، لأن المفهوم من الخالق حصول الخلق، و المفهوم من الرازق حصول الرزق، و بين المفهومين فرق.
و الجواب عن الأول من وجوه:
أحدها: أن المذكور فى القرآن و الخبر إثبات الأسماء الكثيرة، إلا إذا بين الخصم أن التسمية غير المسمى، و أن المراد من الأسماء المذكورة فى هذه النصوص التسمية، لكن كل ذلك عدول عن الظاهر.
و ثانيها: أن المفهوم من التسمية وضع الاسم للمسمى، فلو كان الاسم هو المسمى لكان وضع الاسم للمسمى عبارة عن وضع الشيء لنفسه، و ذلك غير معقول.
و ثالثها: أن المعقول هاهنا أمور ثلاثة: ذات الشيء، و هذه الألفاظ المخصوصة، و جعل هذه الألفاظ المخصوصة معرفة لتلك المعانى المخصوصة بالوضع و الاصطلاح، أما ذات الشيء فهو المسمى، فلو كان الاسم عبارة عن ذات الشيء لزم كون الشيء اسما لنفسه، و ذلك غير معقول.
و أما السؤال الثانى فجوابه أن الخالق ليس اسما للخلق، بل للشىء الّذي يصدر عنه الخلق، و الرزاق ليس اسما للرزق بل للشىء الّذي يصدر عنه الرزق، ثم من المعلوم أن الّذي صدر عنه الخلق و الّذي صدر عنه الرزق شيء واحد، فثبت أن المسمى بالخالق و الرزاق شيء واحد.
الحجة الثانية: أنّا إذا قلنا: معدوم و منفى و سلب و اللاثبوت و اللاتحقق، فهاهنا الأسماء موجودة و المسميات معدومة، فكان الاسم غير المسمى لا محالة.
الحجة الثالثة: أن أهل اللغة اتفقوا على أن الكلام جنس تحتها أنواع ثلاثة: الاسم و الفعل و الحرف، فالاسم كلمة، و الكلمة هى الملفوظ بها، و أما المسمى فهو ذات الشيء و حقيقته، و اللفظ و المعنى كل واحد منهما يوصف بما لا يوصف به الآخر، فيقال فى اللفظ: إنه عرض و صوت و حالّ فى المحل و غير باق و مركب من حروف متعاقبة و إنه عربى و عبرانى، و يقال فى المعنى: إنه جسم و قائم بالنفس و موصوف بالأعراض و باق، فكيف يخطر ببال العاقل أن يقول: الاسم هو المسمى.
و الحجة الرابعة: قوله تعالى: وَ لِلَّهِ الْأَسْماءُ الْحُسْنى فَادْعُوهُ بِها( الأعراف: ١٨٠) أمرنا بأن يدعى اللّه تعالى بأسمائه، و الشيء الّذي يدعى مغاير للشىء الّذي يدعو ذلك المدعو به، فوجب أن يكون الاسم غير المسمى.
و الحجة الخامسة: أنه يقال: فلان وضع هذا الاسم لهذا الشيء، فلو كان الاسم نفس المسمى لكان معناه أنه وضع ذلك الشيء لذلك الشيء، و أنه محال.
و أما القول بأن التسمية ليس نفس الاسم فالذى يدل عليه أن التسمية عبارة عن جعل ذلك اللفظ المعين معرفا لماهية ذلك المسمى، و وضع الاسم للمسمى مغاير لذات الاسم، كما أن المفهوم من التحريك مغاير للمفهوم من نفس الحركة.
و احتج القائلون بأن الاسم نفس المسمى بوجوه:
الحجة الأولى: قوله تعالى: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى( ١)( الأعلى) و قوله تعالى:
فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ( ٧٤)( الواقعة). و قوله: تَبارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ( ٧٨)( الرحمن) و وجه الاستدلال أنه أمر بتسبيح اسم اللّه تعالى، و دل العقل على أن المسبّح هو اللّه تعالى لا غيره، و هذا يقتضي أن اسم اللّه تعالى هو هو لا غيره.
الحجة الثانية: قوله تعالى: ما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْماءً سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَ آباؤُكُمْ( يوسف: ٤٠) أخبر اللّه تعالى أنهم عبدوا الأسماء، و القول ما عبدوا إلا تلك الذوات، فهذا يدل على أن الاسم هو المسمى.
الحجة الثالثة: اسم الشيء لو كان عبارة عن اللفظ الدال عليه لوجب أن لا يكون للّه تعالى فى الأزل شيء من الأسماء، إذ لم يكن هناك لفظ و لا لافظ و ذلك باطل.
الحجة الرابعة: إذا قال القائل: محمد رسول اللّه، فلو كان اسم محمد غير محمد لكان الموصوف بالرسالة غير محمد، و ذلك باطل قطعا، و كذا قوله تعالى: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَ تَبَ( ١)( المسد) فلو كان اسم أبى لهب غير أبى لهب كان الموصوف بالمذمة غير أبى لهب، و هكذا إذا كانت امرأة مسماة بحفصة فقال: حفصة طالق، فبتقدير أن يكون الاسم غير المسمى كان قد أوقع الطلاق على غير حفصة، فوجب أن لا يقع الطلاق على حفصة و ذلك باطل.
الحجة الخامسة: التمسك بقول لبيد:
|
سألتُ حبيبى الوصلَ منه دُعابَةً |
و أعْلَمُ أنَّ الوصل ليس يكونُ |
|
|
فمَاسَ دلالًا و ابتهاجاً و قال لى |
برفقٍ مجيباً( ما سألتَ يَهُونُ) |
|