شرح اسماء الله الحسنى - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٣٦٥ - باب فى معنى اسمه تعالى ٨٠ - العفو جل جلاله
ففعلا، فرأت أمه فى المنام كأن قائلا يقول لها: إن اللّه سبحانه قد غفر لولدكما بحسن عزائكما، روى كعب بن عجرة أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم خرج على أصحابه يوما فقال: ما تقولون فى رجل قتل فى سبيل اللّه؟ فقالوا، اللّه و رسوله أعلم، قال: ذلك فى الجنة، قال: فما تقولون فى رجل مات فقام رجلان ذوا عدل فقالا: لا نعلم منه إلا خيرا؟ فقالوا: اللّه و رسوله أعلم، قال: ذلك فى الجنة، قال: فما تقولون فى رجل مات فقام رجلان ذوا عدل فقالا: لا نعلم فيه خيرا؟
فقالوا: ذلك فى النار، قال: بئس ما قلتم، عبد مذنب و رب غفور.
و أما قوله سبحانه: خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ[١] فقيل: معناه خذ ما صفا من الإخلاص، و قيل: معناه خذ العفو و الفضل و المحاسن من الأخلاق، فاعف عمن ظلمك، و أحسن إلى من أساء إليك، وصل من قطعك، و تجاوز عمن يذنب و لا يحسن مكانك، و آت من آثر حرمانك.
و من عرف أنه سبحانه عفوّ طلب عفوه، و من طلب عفوه تجاوز عن خلقه، فإن اللّه سبحانه بذلك أدبهم و إليه ندبهم، فقال عز من قائل: وَ لْيَعْفُوا وَ لْيَصْفَحُوا أَ لا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ[٢] و أن الكريم إذا عفا حفظ قلب المسيء عن الاستيحاش بتذكيره سوء فعله، بل يزيل عنه ذلك الخجل بما يسبل عليه من ثوب العفو و يفيض عليه من ذيول الصفح، كما يحكى عن قيس بن عاصم المنقرى أنه عثر مملوك له و بيده شيء مشوى على سفود فوقع على ولد له صغير فمات، فقال قيس بن عاصم له: اذهب فأنت حر، يريد بذلك صيانته عن استشعار الخجل.
و اعلم أن عفو اللّه تعالى عن العباد ليس مما يستقصى بالعبارات كنه معانيه، و فيما ذكرناه كفاية و باللّه التوفيق.
[١] -الأعراف: ١٩٩.
[٢] -النور: ٢٢.