شرح اسماء الله الحسنى - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٢٦٠ - باب فى معنى اسمه تعالى ٣٨ - المقيت جل جلاله
و ألذها، قال اللّه تعالى: وَ رَزَقْناهُمْ مِنَ الطَّيِّباتِ[١]، ثم إنه جعل قوت الأشباح الطعام و الشراب و جعل قوت الأرواح المعانى التى لها قدرها و رتبتها، و بها يحصل تفاوت درجاتها، فمن أقوات القلوب و الأرواح العقل الّذي به نظام جميع المحاسن، فمن رزقه اللّه العقل أكرمه و أزانه، و من حرمه ذلك فقد أذله و أهانه، قيل: إن جبريل ٧ جاء إلى آدم ٧ و قال: إنى أتيتك بثلاثة أشياء، فاختر منها واحدا، فقال: و ما هى: فقال: العقل و الدين و الحياء، فقال آدم: اخترت العقل، فخرج جبريل و قال: إنه اختار العقل، فانصرفا أنتما، فقال الدين و الحياء: إنما أمرنا أن نكون مع العقل حيث كان.
و لهذا قيل: ما خلق اللّه تعالى شيئا أحسن من العقل، و سئل بعضهم عن معنى العقل فقال: لم يعط أحد كماله فيوصف، و أن اللّه تعالى إذ شغل العبد بطاعته أقام لأجله من يقوم بشغله، فإذا اشتغل العبد بطاعة ربه جعل الحق سبحانه من يقوم بخدمة عبده، و إذا رجع إلى متابعة شهوته و تحصيل أمنيته و كله إلى حوله و قوته و رفع عنه ظل عنايته.
سمعت منصور المغربى يقول: كان الكتانى بمكة، و كان له خادم يخدمه، و كان فى المسجد شاب حسن الجلسة، فكان الكتانى إذا فتح عليه بشيء قال لخادمه: ابدأ بذلك الشاب، فقال الخادم له يوما: كنت تأمرنى أن أبدأ بذلك الشاب و لم تقل لى ذلك منذ أيام، فقال: إنى رأيته فى الحذائين يطلب شعسا، و من أمكنه أن يحتال لنفسه شعسا قد سقط منا فرضه.
أشار بهذا أنه إنما كان ذلك الشيخ منصوبا لمراعاة حقه و تقديمه على أشكاله لما لم يكن الشاب محترفا لنفسه، فحيث اتصف باحتياله فى بعض أحواله رد إلى أفعاله و اختياره.
[١] -يونس: ٩٣.