شرح اسماء الله الحسنى - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٢٥٧ - باب فى معنى اسمه تعالى ٣٧ - الحفيظ جل جلاله
على محمد صلى اللّه عليه و سلم و ضمن حفظه على أمته بقوله تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ[١]، فلا جرم عصم اللّه الأمة عن تبديل الكتاب حتى لو أخطأ مخطئ فى حركة من حركات حروف القرآن أو سكون لنادى ألف ألف صبى بتخطئته، فضلا عن القراء، فشتان بين أمة استحفظهم اللّه كتابه فحرفوا و بدلوا، و بين أمة حفظ عليهم الكتاب فبقوا مع الحق و وصلوا.
و من حفظه سبحانه لأوليائه صيانة عقائدهم فى التوحيد عن اكتفائهم بالتقليد و تحقيق العرفان فى أسرارهم بجميل التأييد، و ليس كل الحفظ أن يحفظ عبدا بين الملاء عن البلاء، و إنما الحفظ أن يحفظ قلبا عن خلوص المعرفة بين الأهواء حتى لا يزال عن الطريقة المثلى و لا يجد إلى البدع و الهوى.
قال اللّه تعالى: يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ فِي الْآخِرَةِ[٢] و أن اللّه تعالى قيض الملائكة و وكلهم بحفظ بنى آدم من البلاء و الآفات حتى إذا قعدوا و قاموا أو انتبهوا و ناموا تقلبوا فى حفظه و حراسته و تصرفوا على حكم رعايته.
قال اللّه تعالى: قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيْلِ وَ النَّهارِ مِنَ الرَّحْمنِ[٣] فهو الّذي يحفظ نفسك و مالك و دينك و حالك و قوتك و عيالك، إذ لو رفع كل رعايته عن أسبابك لهلكت.
سمعت الشيخ أبا على الدقاق يقول: ورث بعض الصالحين عن مورث له عشرة آلاف درهم فقال: إلهى إنى محتاج إلى هذه الدراهم، و لكن لست أحسن حفظها فأدفعها إليك لتردها عليّ وقت حاجتى، فتصدق بتلك الدراهم
[١] -الحجر: ٩.
[٢] -إبراهيم: ٢٧.
[٣] -الأنبياء: ٤٢.