شرح اسماء الله الحسنى - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ١٥٤ - باب فى معنى اسمه تعالى ٥ - المؤمن جل جلاله
ماهية الإيمان من الإقرار و المعرفة و الخضوع و ترك الاستكبار و المحبة و اجتناب الكبائر، فإذا استوفى جميع ذلك من نفسه وقف عند الدعوى، فإذا قيل له:
أ مؤمن أنت؟ يقول: إن شاء اللّه، فيكون قائما بحق المعنى قاعدا عن وصف الدعوى.
و اعلم أن الموافقة فى الأسماء لا تقتضى المشابهة فى الذوات، فيصح أن يكون الحق سبحانه مؤمنا و العبد يكون مؤمنا، و لا يقتضي مشابهة العبد الرب، ألا ترى أن الخلافين يشتركان فى الاسم و لا يشتبهان فى المعنى[١].
و مما يتعلق بهذا الباب من طريق التذكير أن يقال: إن الملوك يأبون أن يجسر أحد من رعيتهم أن يتسمى باسم الملك، و اللّه سبحانه سمى نفسه المؤمن و سمى العبد مؤمنا و سمى عباده المؤمنين، و هذا لطف منه سبحانه بهم، و قيل ينادى غدا فى القيامة مناد: إن كل من هو سمىّ نبى من الأنبياء من المؤمنين فليدخل الجنة، فيبقى أقوام من المؤمنين فيقال لهم: من أنتم؟ فيقولون: نحن
[١] -حظ العبد من هذا الوصف أن يأمن الخلق كلهم جانبه، بل يرجو كل خائف الاعتضاد به فى دفع الهلاك عن نفسه فى دينه و دنياه كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم:« من كان يؤمن باللّه و اليوم الآخر فليأمن جاره بوائقه» و أحق العباد باسم المؤمن من كان سببا لأمن الخلق من عذاب اللّه بالهداية إلى طريق اللّه و الإرشاد إلى سبيل النجاة، و هذه حرفة الأنبياء و العلماء، و لذلك قال النبي صلى اللّه عليه و سلم:« إنكم تتهافتون فى النار تهافت الفراش و أنا آخذ بحجزكم» و لعلك تقول على الحقيقة من اللّه فلا مخوف إلا إياه، فهو الّذي خوف عباده، و هو الّذي خلق أسباب الخوف، فكيف ينسب إليه الأمن، فالجواب: أن الخوف منه و الأمن منه، و هو خالق سبب الخوف و الأمن جميعا، و كونه مخوفا لا يمنع كونه مؤمنا، كما أن كونه مذلا لا يمنع كونه معزا، بل هو المعز و المذل، و كونه خافضا لا يمنع كونه رافعا، بل هو الخافض الرافع، فكذلك هو المؤمن المخوف، و لكن المؤمن ورد به التوقيف به خاصة دون المخوف، و كما قلنا فإن أسماء اللّه تعالى توقيفية لا بد من ورود خبر بها.