شرح اسماء الله الحسنى - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ١٣٩ - باب فى معنى اسمه تعالى ٢ - الملك جل جلاله
اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُ[١] و يوصف بأنه الملك، قال اللّه تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ[٢] و يوصف بأنه مالك الملك، قال اللّه تعالى: قُلِ اللَّهُمَّ مالِكَ الْمُلْكِ[٣] و يوصف بأنه المليك، قال اللّه تعالى: عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ[٤] فالمالك مشتق من الملك، و الملك مشتق من الملك، و المليك مبالغة من المالك كالعليم مبالغة من العالم، و الملك مبالغة من المالك، و أصل الملك فى اللغة الشد و الربط، و منه قولهم: ملكت العجين إذا بالغت فى عجنه.
و وجه ثان أنه مشتق من القدرة، قال الشاعر:
|
ملكت بها كفى فأنهزت فتقها |
يرى قائم من دونها ما وراءها |
|
و يقال: ملكت كفى بالطعن إذا بالغ فيه، و يقال لعقد المصاهرة: الإملاك لأنه يرتبط بعقد التزويج وصلة ما بين الزوجين.
و أما حقيقة الملك عنه أهل التحقيق فهو القدرة على الإبداع و الإنشاء، و على هذا فلا مالك على الحقيقة إلا اللّه، و العبد إذا وصف بالملك فلفظ الملك فى وصفه مجاز[٥] و إن كان أحكام الملك فى مسائل الشرع تكون على
[١] -المؤمنون: ١٦.
[٢] -الفاتحة: ٤، و راجع شرح اللفظ فى تفسير« روح المعانى فى تفسير القرآن العظيم و السبع المثانى» للآلوسى، من تحقيقنا.
[٣] -آل عمران: ٢٦.
[٤] -القمر: ٥٥.
[٥] -العبد لا يتصور أن يكون ملكا مطلقا، فإنه لا يستغنى عن كل شيء، فإنه أبدا فقير إلى اللّه تعالى، و إن استغنى عمن سواه، و لا يتصور أن يحتاج إليه كل شيء، بل يستغنى عنه أكثر الموجودات، و لكن لما تصور أن يستغنى عن بعض الأشياء و لا يستغنى عن بعض الأشياء كان له شوب فى الملك، فالملك من العباد هو الّذي يملك إلا اللّه، بل يستغنى عن كل شيء سوى اللّه، و هو مع ذلك يملك مملكته بحيث يطيعه فيها جنوده و رعاياها، و إنما مملكته الخاصة به قلبه و قالبه، و جنده شهوته و غضبه و هواه، و رعيته لسانه و عيناه و يداه و سائر أعضائه، فإذا ملكها و لم تملكه، و أطاعته و لم يطعها، فقد نال درجة الملك فى عالمه، فإن انضم إليه استغناؤه عن كل الناس و احتاج الناس كلهم إليه فى حياتهم العاجلة و الآجلة فهو الملك فى العالم الأرضى، و تلك رتبة الأنبياء :، فإنهم استغنوا فى الهداية إلى الحياة الآخرة عن كل أحد إلا عن اللّه، و احتاج إليهم كل أحد، يليهم فى هذا الملك العلماء، و هم ورثة الأنبياء، و إنما ملكهم بقدر قدرتهم على إرشاد العباد و استغنائهم عن الاسترشاد، و بهذه الصفات يقرب العبد من الملائكة فى الصفات، و يتقرب إلى اللّه تعالى بها، و هذا الملك عطية للعبد من الملك الحق الّذي لا مثنوية فى ملكه.