شرح اسماء الله الحسنى - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٨٩ - باب فى معنى قوله تعالى تبارك اسم ربك ذي الجلال و الإكرام
و كان الدقاق يقول: إن القلوب كانت متفرقة فى الدنيا فقبضها اللّه تعالى عنها بقوله: قُلْ مَتاعُ الدُّنْيا قَلِيلٌ وَ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقى (النساء: ٧٧) فلما تعلقت القلوب بالآخرة قطعها اللّه سبحانه عنها بقوله: وَ اللَّهُ خَيْرٌ وَ أَبْقى (طه: ٧٣).
و قال يحيى بن معاذ: الزاهد صيد الحق من الدنيا، و العارف صيد الحق من الآخرة.
و لا غرو أن يزهد عارف بمن لم يزل فى حاصل بعد أن لم يكن إذا صفت همته عن كدورة أمنيته، و تخلص سره عن وحشة حجبته، و هذا المتنبى قال:
من رأس دعواه على سبيل العادة من غير تحقيقه بمعنى ما قال، و كل ما خلق اللّه و ما لم يخلق محتقر فى همتى، كشعرة فى مفرقى.
و أما من قال: «تبارك» أى تعظم فمن طالع عظمته، و شاهد سلطانه و رفعته، و تحقق علوه و عزته، نسى صولته، و ترك سطوته، فلا يدعى فى شيء أنه من حوله و قوته، و لا يرى شيئا بقدرته و استطاعته، و اعتصم بعجزه و فاقته، و فى معناه أنشدوا:
|
أذل فأعزز به من مذل |
و من طالب لدمى مستحل |
|
|
إذا ما تعزز قابلته |
بذل و ذلك جهد المقل |
|
|
فكنت لعزته خاضعا |
و لو لا جلالته لم أذل |
|
و قال بعض المشايخ: إذا عظم الرب فى القلب صغر الخلق فى العين،