شرح اسماء الله الحسنى - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٥١ - فهرس الدراسة و المقدمات و أهم ما جاء بالهوامش
بسم اللّه الرّحمن الرّحيم قال الشيخ الأستاذ الإمام جمال الدين أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيرى رضى اللّه عنه:
ذكر الله تعالى[١]
[١] -الذكر هو ما يجرى على اللسان و القلب من تسبيح اللّه تعالى و تنزيهه، و حمده، و الثناء عليه، و الإكثار منه واجب مأمور به، و يذكر اللّه من يذكره، و الذاكر متفرد بالسبق، حي على الحقيقة، وفق لرأس الأعمال الصالحة، و اتخذ سبيل النجاة، و يصبح ذاكرا من واظب على الأذكار المأثورة صباحا و مساء، و فى كل الأوقات، و على جميع الحالات.
و يستحب الذكر سرا، فى ثوب نظيف، ببدن طاهر طيب الرائحة، مع استقبال القبلة، فى حلق للذكر.
و الذاكر بكلمات التوحيد له عظيم المنزلة.
و الذكر يثقل الميزان، و يريح النفس، و هو الكلام بأحب الكلام إلى اللّه، و من الذكر الاستغفار، و هو حط للخطيئات، و صفته: أستغفر اللّه، أستغفر اللّه، أستغفر اللّه.
و يستحب الذكر بالجوامع من الأدعية، و أن يعد التسبيح بالأصابع فهو خير من السبحة.
و يندب ألا يخلو مجلس من ذكر اللّه، و الصلاة على نبيه صلى اللّه عليه و سلم، و عند الانتهاء يدعو بدعاء ختام المجلس ليكون كفارة لما اقترف فيه.
و ثمت أحاديث نبوية عديدة تدور حول ذكر اللّه تعالى و فضائل ذلك الذكر، نذكر بعضا منها:
١- عن أبى الدرداء رضى اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم:« ألا أخبركم بخير أعمالكم، و أرفعها فى درجاتكم، و أزكاها عند مليككم، و خير لكم من إعطاء الورق( الفضة) و الذهب، و خير لكم من أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم و يضربوا أعناقكم؟» قالوا:
بلى يا رسول اللّه، قال:« ذكر اللّه»( مالك- الترمذي). ٢- عن أنس رضى اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم:« يقول اللّه عز و جل: أخرجوا من النار من ذكرنى يوما أو خافنى فى مقام»( الترمذي).
٣- عن معاذ رضى اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم:« ما من مسلم يبيت على طهر ذكرا للّه تعالى، فيتعارّ( ينتبه) من الليل، فيسأل اللّه تعالى خيرا من الدنيا و الآخرة إلا أعطاه إياه»( أبو داود).
٤- عن أبى هريرة رضى اللّه عنه قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم:« يقول الله عز و جل: أنا عند ظن عبدى بى، و أنا معه إذا ذكرنى، فإن ذكرنى فى نفسه ذكرته فى نفسى، و إن ذكرنى فى ملأ ذكرته فى ملأ خير منهم، و إن تقرّب إلى شبرا تقربت إليه ذراعا، و إن تقرب إلى ذراعا تقربت إليه باعا، و إن أتانى يمشى أتيته هرولة».( الشيخان).
٥- عن عبد اللّه بن عمرو رضى اللّه عنهما قال: قلت: يا رسول اللّه، ما غنيمة مجالس الذكر؟ قال:
« غنيمة مجالس الذكر الجنة»( أحمد).
٦- عن أنس بن مالك رضى اللّه عنه: أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال:« إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا» قالوا: و ما رياض الجنة؟ قال:« حلق الذكر»( الترمذي).
و الذكر كما قال الحكيم الترمذي: الذكر غذاء المعرفة، و المعرفة حلوة نزهة، و القلب وعاؤها و خزانتها، و الصدر ساحته، و المعرفة ذات شعب: شعبة منها للجلال، و شعبة للعظمة، و شعبة للرحمة، و شعبة للجمال، و شعبة للبهجة، و شعبة للسلطان، و شعبه للبهاء، و أصل هذه الشعب القدرة، و من القدرة تتشعب هذه الشعب، ثم من كل شعبة منها تتشعب الأشياء.
فجوهر الذكر البهجة، فإذا بدا الذكر على القلب هاج الفرح، فلو لم يمازجه فرح النفس بها لطاب الذكر، و لكن النفس لما جاءت بمزاجها تكدر الفرح فانقطع المدد من المذكور فبقى الذكر مع كدورة الفرح، فأهل الصفاء يلتذون بالذكر لأن نفوسهم فى سجون القلب، و سلطان المعرفة قد أحاطت بالنفس، فلا تقدر النفس أن تتحرك للمزاج و الأخذ بنصيبها.
و أصل الذكر فى القلب، و عمله بالفؤاد فى الصدر، فإذا خرجت المشيئة من باب الرحمة جرت الإرادة من باب الحكمة، هاج الذكر من ملك البهجة فثار ضوؤها إلى الصدر، فتراءى الضوء لعينى الفؤاد، فارتحل بعقله شاخصا إلى اللّه فصار ذلك الضوء مركبه إلى اللّه، و الراكب عقله، فهذا هو الذكر، فالقلوب لها محلات: فمحلة العامة قلوبها محبوسة فى الجو لا تصعد، لأن الشهوات قد ثقلتها، و الهوى قد قيدها، و قلوب المريدين فى سيرهم فى منازلهم أينما وقف فهو محله، و إنما قيده هواه، و ثقله باقى شهواته، و قلوب الواصلين فى محلاتهم عند العرش، و قد قيدهم باقى أهوائهم لا يصلون إلى مجالسه فى ملكه، و قلوب أهل الصفو من الواصلين، واصلة إليه فى مجالسه، فذلك خالص النجوى، و صافى الذكر، و هذا الصنف هم الذين قال موسى:
« يا رب، أ قريب أناجيك أما بعيد فأناديك؟ قال: أنا جليس من ذكرنى» فالمجلس لهؤلاء.
فالذاكرون تباينت طبقاتهم لاختلاف الأحوال فى الذكر، فليس من أحد يذكر ربه إلا و بدوّ ذلك الذكر من ربه، و ذلك الذكر من الرب إذن للعبد فى الارتحال إليه.
فإذا ذكر اللّه مبتديا فإنما ذكره من ملك البهجة، فذاك شوق اللّه إلى عبده، ذكره ليهيج بذكره له من العبد ذكره، فيهيج شوقه إلى اللّه كلّ على قدره.
فالعامة لا تقدر مطالعة هذا و لا تمييزه و لا تفطن لما يتردد فى صدورهم من ذلك لأنهم فى المرج و الشجر الملتفة، و هى أشغال النفوس فى الصدور، و لذلك قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم:
« تفرغوا من هموم الدنيا ما استطعتم، فما أقبل عبد بقلبه على اللّه إلا أقبل اللّه بقلوب المؤمنين تفد إليه بالود و الرحمة، و كان اللّه بكل خير إليه أسرع».
فذكر اللّه دنوه من العبد، فدنوه على قدر مصير العبد إليه، و لذلك قال صلى اللّه عليه و سلم فيما روى عن ربه:« أنا مع عبدى ما تحركت بى شفتاه»( البيهقى- ابن حبان).
فكل ذاكر يرجع إليه من ذكره بما انتهى إليه، فمن انتهى ذكره إلى محل حاد عنه إلى ذى الإحسان رجع إلى قلبه بحلاوة الرحمة و غليل الرأفة، و من انتهى ذكره إلى محل حاد عنه إلى ذكر المن رجع إلى قلبه بحلاوة المحبة البارزة المحتظاة منها، و من انتهى ذكره إلى محل حاد عنه إلى ذكر التدبير رجع إلى قلبه بحلاوة القربة، و من انتهى ذكره إلى محل خلص إلى القدرة رجع قلبه بحلاوة الفرح باللّه و حلاوة محبّة اللّه الباطنة، و هو الّذي قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم:« إن اللّه إذا أحب عبدا نادى: يا جبريل، إنى أحب فلانا فأحبوه، فينادى جبريل فى السماوات: إن اللّه قد أحب فلانا و رضى عنه فأحبوه»( مسلم).
فليس هذا الحب الموضوع فى هذا الحديث الحب العام لأن كل موحد يحبه ربه، و لم يعطه التوحيد و لا منّ به عليه إلا من حبه له. و لكن هذا من الحب المخزون عنده لا المحتظى منه لجميع الموحدين.
و المخزون هذا الّذي قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فيما روى عنه عن اللّه تبارك و تعالى أنه قال:
« ما تقرب إلى عبدى بمثل ما افترضت عليه، و إن عبدى ليتقرب إلى بعد ذلك بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه و بصره و يده و رجله و فؤاده و لسانه، فبى يسمع، و بى يبصر، و بى يبطش، و بى يعقل، و بى ينطق، و بى يمشى».
فهذا محبوب يستعمله ربه و فى قبضته، و له الثبات من ربه و له الكلاءة و الرعاية.
و روى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أنه قال:« إن الليل و النهار أربع و عشرون ساعة، و للّه فى كل ساعة صدقة على عبيده، و ما تصدق على امرئ بشيء أفضل من أن يلهمه الذكر».
( عبد الرزاق)
و فى ذكر اللّه تعالى خمس خصال: رضا اللّه تعالى، و رقة القلب، و زيادة الخير، و حرز من الشيطان، و منع من ركوب المعاصى، فما ذكره الذاكرون إلا بذكره لهم، و ما عرفه العارفون إلا بتعريفه إياهم، و ما وحده الموحدون إلا بعلمه لهم، و ما أطاعه المطيعون إلا بتوفيقه لهم، و ما أحبه المحبون إلا بتخصيص محبته لهم، و ما خالفه المخالفون إلا بخذلانه لهم، فكل نعمة منه عطاء، و كل محنة منه قضاء، و ما أخفته السابقة أظهرته اللاحقة.
و للذكر ثلاثة مقامات:
ذكر باللسان: و هو ذكر عامة الخلق، و ذكر بالقلب: و هو ذكر خواص المؤمنين، و ذكر الروح: و هو لخاصة الخاصة، و هو ذكر العارفين بفنائهم عن ذكرهم و شهودهم إلى ذاكرهم و منته عليهم.
و الذكر تختلف أنواعه و تتعدد، و المذكور واحد لا يتعدد و لا يتحدد، و أهل الذكر أحباب الحق من حيث اللوازم.
و هو على ثلاثة أقسام: ذكر جلى، و ذكر خفى، و ذكر حقيقى.
فالذكر الجلى لأهل البداية و هو ذكر اللسان، بصرف الشكر و الثناء و الحمد بتعظيم النعم و الآلاء عن العهد، و حسنته بعشرة إلى سبعين.
و الذكر الباطن الخفى لأهل الولاية، و هو ذكر سر القلب بالخلاص من الفترة، و البقاء مع المشاهدة بلزوم مشاهدة الحضرة و حسنته بسبعين إلى سبعمائة. و الذكر الكامل الحقيقى لأهل النهاية، و هو ذكر الروح بشهود الحق إلى العبد، و التخلص من شهود ذكره ببقائه بالرسم و الحكم، و حسنته بسبعمائة إلى ما لا نهاية له بالتضعيف، لأن المشاهدة فناء لا لذة فيها، و الروح له ذكر الذات، و القلب له ذكر الصفات، و اللسان له ذكر العادة للتعرضات.
و الذكر مفضل على سائر العبادات، و مما استدل به على تفضيل الذكر على سائر العبادات أنه لم يرخص فى تركه فى حال من الأحوال، أخرج ابن جرير الطبرى فى تفسيره عن قتادة قال: افترض اللّه ذكره عند أشغل ما تكونون، عند الضراب بالسيوف فقال: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَ اذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ( ٤٥)( الأنفال).
و من فضائل الذكر و لا إله إلا اللّه، قال ابن عباس رضى اللّه عنهما: الليل و النهار أربعة و عشرون ساعة، و حروف« لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه» أربعة و عشرون حرفا، فمن قال: لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه كفّر كل حرف ذنوب ساعة فلا يبقى عليه ذنب إذا قالها فى كل يوم مرة، فكيف بمن يكثر من قوله لا إله إلا اللّه و يجعله شغله؟.( و اللّه أعلم).