شرح اسماء الله الحسنى - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٣٥٧ - باب فى معنى اسمه تعالى ٧٨ - التواب جل جلاله
يزجره العلم عن المعاصى فيتوب لتكلفه، فربما ينقض توبته و يعيد بطالته، فأما إذا أراد اللّه سبحانه لعبد خيرا و حكم بصحة توبته كان ذلك آخر عهده بتلك الزلة، فلا ينقض تلك التوبة، و إن من كرم اللّه سبحانه أن يضيف التوبة على العبد إلى نفسه فالعبد يذنب و هو يتوب عليه و هذا حقيقة الكرم، قال اللّه سبحانه وَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَ يُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَواتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيماً (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَ خُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً[١] و قيل: إن اللّه تعالى أخبر عن سنن من مضى و ما عملوا، ثم أخبر عما عاملهم به مكافأة لهم على ما قدموا و أسلفوا، قال اللّه تعالى يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَ يَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَ اللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ[٢] يعنى به صنوف معاصيهم و فنون مخالفتهم، ثم أخبر عما عاملهم به فقال: فَكُلًّا أَخَذْنا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنا عَلَيْهِ حاصِباً وَ مِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَ مِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنا بِهِ الْأَرْضَ وَ مِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنا[٣] فانتظرت هذه الأمة و قالت: ما يعاجلنا به على قبيح ما أسلفنا، فقال تعالى: وَ يَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ أولئك أبلاهم و عذبهم، و هؤلاء تاب عليهم و رحمهم، سنة منه كريمة مضت بتخصيص هذه الأمة، و لهذا أثبت فى اللوح المحفوظ: أمة مذنبة و رب غفور.
و فى خبر مسند أنه صلى اللّه عليه و سلم دعا لأمته عشية عرفة و استغفر اللّه لهم فأوحى اللّه إليه إنى قد غفرت لهم ما بينى و بينهم و لم أغفر لهم ظلم بعضهم لبعض، فزاد فى الاستغفار و قال: إنك قادر أن ترضى خصماءهم، فلم يجبه تلك الليلة، فلما
[١] -النساء: ٢٧، ٢٨.
[٢] -النساء: ٢٦.
[٣] -العنكبوت: ٤٠.