شرح اسماء الله الحسنى - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ٢٨٨ - باب فى معنى اسمه تعالى ٤٧ - الودود جل جلاله
عليهم و إرادة الجميل لهم، و تكون بمعنى مدحه لهم و ثنائه عليهم، و تكون بمعنى إنعامه عليهم و إحسانه إليهم، فإذا كانت بمعنى الرحمة و الإرادة و المدح لهم كان من صفات ذاته، و لم يزل اللّه تعالى محبا لأوليائه، و لا يزال محبا لهم، و إن كان بمعنى الإنعام و الإحسان كانت من صفات الفعل.
و أما محبة العبد للّه فتكون بمعنى لزوم طاعته، و موافقته لأمره، و تكون بمعنى تعظيمه له و هيبته منه، فكل من كان أكثر طاعة له و أشد تعظيما كان أكثر محبة، و من كان عاصيا لأمره و مخالفا له كان بعيدا من محبته.
و تكلم الناس فى اشتقاق المحبة، و فى أصل ذلك فقال بعضهم: أصله من حبب الأسنان و هو صفاؤها و نظافتها، فكأن محبة العبد صفاء أقواله و ضياء أحواله، و ذلك لتنزهه عن الغفلات، و تباعده عن العلات، و تنقيته عن أوضار المخالفات، و توقيه عن أجناس الزلات، فإن القلب كالمرآة التى تشاهد فيها أحكام الغائبات، و لا تريك المرآة الشواهد إلا إذا صفت.
و أجمعوا أن كل محبة تكون على ملاحظة غرض، فإنها تكون معلولة حتى تكون صافية عن كل مطمع، و قيل: أصلها من قولهم: أحب البعير إذا استناخ فلم يبرح، قال اللّه سبحانه و تعالى: فَقالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي[١] أى لصقت بالأرض من حب الخير.
فالمحب أبدا يكون مقرا على باب محبوبه بنفسه و بدنه، فإن لم يمكنه فبقلبه و روحه.
سمعت الدقاق يقول: إن المشايخ قالوا: إن طريقتنا هذه بينة لا تصلح إلا
[١] -ص: ٣٢.