شرح اسماء الله الحسنى - القشيري، عبد الكريم - الصفحة ١٨٣ - باب فى معنى اسميه تعالى ١١، ١٢ - البارئ المصور جل جلاله
و أما المصور فمن التصوير، و هو تمييز الشيء على صورة، يقال: صوّره إذا جعله على صورة، و صور الأمر أى قدره، و يقال: صاره يصيره و يصوره إذا أماله هو، من قوله: فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ[١] و رجل صير شير إذا كان ذا صورة و شارة حسنة، و الصور جمع صورة، و عليه يحمل قوله تعالى: وَ نُفِخَ فِي الصُّورِ[٢] أى فى الصّور على بعض التأويلات، و الصور أيضا هو القرن الّذي ورد به الخبر أنه ينفخ فيه الملك، و اللّه تعالى مصور الخلق و مقدرهم و مدبر العالم و معبدهم.
و إذا عرف العبد أن اللّه تعالى برأه من البر الّذي هو التراب و أنه لم يكن شيئا و لا عينا فجعله شيئا و عينا فبالحرى أن لا يعجب بحاله و لا يدل بأفعاله، بل لا يبتهج بصفو حاله و قد أشكل عليه حكم مآله.
و كيف لا يتواضع من يعلم أنه فى الابتداء نطفة و فى الانتهاء جيفة، و فى الحال صريع جوعه، و أسير شبعه، و جماله و حسنه يختلف فى أطواره فى قميص إن أمسك عن الأكل ساعة تغير عليه خلوفه، و إن عرق فى سعيه سطع بغير المستطاب صنان إبطه و رائحة جلده، ثم إذا شاهد نقص نفسه عرف جلال ربه، قال اللّه تعالى: وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ[٣] و قال تعالى: بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ[٤] و أحد ما قيل فى قوله تعالى: وَ فِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ هو أن تفكر فتعلم كيف زين العضو الّذي لا يزال ظاهرا على مجرى العادة من أعضائك، و هو وجهك، و ستر الوحشة منك، و فيه تقوية للأمل و الرجاء بأن يديم معك هذه السنة فى إسداء النعم و إكمال الكرم، فإن
[١] -البقرة: ٢٦٠.
[٢] -الكهف: ٩٩.
[٣] -الذاريات: ٢١.
[٤] -القيامة: ١٤.