شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ٥٢٦ - فصل فى أحوال السّالكين
فاعلم: أنّ النّفوس إذا دامت عليها الإشراقات العلويّة، تطيعها مادّة العالم ، إذ النّفس، كالحديد الحامى، تكسوه مجاورة النّار هيئة نورانيّة و خاصيّة الإحراق. فإذا تألّفت بسناء المجد و استضاءت بضوء القدس، ينفعل عنها النّفوس و تتأثّر عنها الموادّ، كما يتأثّر بدنها عنها، مع كونها مباينة الجوهر عنه، و لأنّ جوهر النّفس قريب من جوهر المبادى العالية، و طبيعة البدن هى من عنصر العالم.
فكما تؤثّر تلك المبادى المجرّدة فى العالم، كذلك تؤثّر النّفس الّتي قويت بالإشراقات حتّى يجاوز تأثيرها بدنها فى العالم.
و كما أنّه يحدث فى بدنها بما تتمثّله من صورة (٢٦٨ المعشوق فى الخيال مزاج يحدث ريحا عن المادّة الرّطبة فى البدن و يرسله إلى العضو الّذي هو آلة الفعل الشّهوانىّ، فيستعدّ به لذلك الشّأن؛ كذلك يحدث عنها فى عالم العناصر تحريك و تسكين و تكثيف و تخلخل، يتبع ذلك سحب و رياح و صواعق و زلازل و نبوغ مياه و عيون و ما أشبه ذلك. و على هذا قياس تأثيرها فى القوى الجسمانيّة الّتي لنفوس أخرى، و لهذا ما يمرض و يبرى عن المرض.
و الّذي يتوهّم: «أنّ النّفس النّاطقة لا يصدر عنها هذه الأفعال، بناء على أنّ العلّة لا تقتضى شيئا لا يكون موجودا فيها» . ليس بشيء، فإنّه ليس من شرط ما يقتضي شيئا أن لا يكون ذلك الشّيء موجودا فيه، إذ ليس كلّ مسخّن بحار، و لا كلّ مبرّد ببارد، فإنّ الشّعاع و الحركة يقتضيان السّخونة، و ليسا بحارّين، و الصّورة المائيّة تقتضى البرودة و ليست بباردة. و إنّما يلزم ذلك فى العلل الّتي هى مفيدة للوجود.
و يسمع دعاؤها فى العالم الأعلى و يكون فى القضاء السّابق ، أى: فى علمه الأزلىّ، مقدّرا أنّ دعاء شخص يكون سبب الإجابة فى شيء كذا . فيكون الدّعاء جزء العلّة التّامّة لذلك الشّيء، الّتي هى الأسباب العقليّة و الفلكيّة، و استعداد الموادّ مع الدّعاء.
و النّور السّانح، أى: الفائض على بعض النّفوس ، من العالم الأعلى، أى العالم العقلىّ ، هو أكسير القدرة و العلم، فيطيعه العالم ، طاعته لما فاض منه النّور السّانح و هو أصل الخوارق.