شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ٤٨٧ - فصل فى بيان احوال النّفوس الانسانيّة بعد مفارقة البدنيّة
و السّعداء من المتوسّطين ، فى العلم و العمل، و هو احتراز عن الكاملين فيهما، لاختلاف حكمهما، و لا يحتمل أن يكون المراد من المتوسّطين، المتوسّطين فى السّعادة. و على هذا تكون الأقسام ثلاثة، الكامل فى السّعادة، و المتوسّط، و النّاقص فيها، إذ لو كان المراد ذلك لم يذكر الزّهاد من المتنزّهين، لأنّهم من المتوسّطين فى السّعادة. و إنّما قال بحرف العطف، ليكون كأنّه قال: «السّعداء من الكاملين فى العلم و العمل أو فى السّعادة حكمهم ما سبق، و السّعداء من المتوسّطين» .
و الزّهاد من المتنزّهين ، أى: من الكاملين فى العمليّة دون العلميّة، حكمهم أنّهم بعد المفارقة البدنيّة ، قد يتخلّصون إلى عالم المثل المعلّقة الّتي مظهرها بعض البرازخ العلويّة، أى: الأجرام الفلكيّة. لكن تختلف مظاهرها بحسب اختلاف هيئات نفوسهم، فإنّه كلّما كانت النّفس أشرف، كان مظهرها أصفى و أعلى، و إن كانت أخسّ، فأكثف و أدنى.
و لها، أى: لنفوس المتوسّطين و المتنزّهين ، إيجاد المثل ، الرّوحانيّة المعلّقة لا فى محلّ، و القوّة على ذلك ، [على]أى: إيجادها فتستحضر من الأطعمة، اللّذيذة ، و الصّور ، المليحة، و السّماع الطّيّب، و غير ذلك ، من الأشربة اللّطيفة و الملابس الشّريفة و نحوها، على ما ، أى تستحضر على الوجه الّذي، تشتهى.
و تلك الصّور أتمّ ممّا عندنا ، من صور هذا العالم، فإنّ مظاهر هذه، الصّور الّتي عندنا ، و حواملها ناقصة ، لأنّها هيولى عالم الكون و الفساد، المشتركة المتبدّلة دائما من حالة إلى حالة، بخلع صورة و لبس أخرى . و مظاهر تلك الصّور، هى كاملة، لأنّها الأجرام الفلكيّة الّتي لا تتكوّن و لا تنفسد ، و يخلّدون فيها، فى تلك البرازخ، إمّا أبدا على ما يشعر به ظاهر لفظ «الخلود» و تعليله، و هو قوله : لبقاء علاقتهم مع البرازخ و الظّلمات و عدم فساد البرازخ العلويّة؛ و إمّا زمانا طويلا، كما يقال: خلّد اللّه دولته.
و الأوّل، مذهب الأوائل الذّاهبين إلى أنّ الكامل فى العمل دون العلم يخلّد فى