شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ٤٣٣ - فصل فى الحواسّ الخمس الظّاهرة
فالمحصور فى الخمس هو المعلوم لنا من الحواسّ، لا ما هو ممكن التّحقق، أو ما هو متحقّق فى نفس الأمر، فأنّ وجود ذلك و عدمه مجهولان عندنا.
اللّمس ، و هى قوّة منبة فى جلد البدن كلّه، من جهة ما انبثّ فيه، من جوهر الرّوح الحامل لجميع القوى، فيدرك الجلد ما يماسّه و يؤثّر فيه بالمضادّة، أو الانفعال. و التّأثّر إنّما يكون عن الضّدّ، لا عن الشّبه، إذ الشّيء لا ينفعل عن شبهه. و لمّا لم يكن آلة اللّمس خالية عن الكيفيّات الأربع، الّتي لعناصرها الّتي تركّبت منها وجب أن تكون مدركة للأطراف بالتّوسّط المزاجىّ، و لهذا كلّما كانت الآلة أقرب إلى الاعتدال، كانت أقوى و ألطف فى الإحساس. و ما يدرك باللّمس هى الكيفيّات الأربع الأول، و الخفّة و الثّقل، و الملاسة و الخشونة، و الصّلابة و الهشاشة و اللّزوجة. و أمّا أنّ الإحساس بهذه الأشياء هل هو تبع للإحساس بالكيفيّات أوّلا، و أنّ اللّمس هل هو بقوّة واحدة أو بقوى مختلفة؟ فليس من المهمّات، لنتكلّم عليه.
و الذّوق و هى قوّة رتّبت فى العصب المفروش على جرم اللّسان، تدرك الطّعوم من الأجسام المماسّة المخالطة للرّطوبة العذبة اللّعابيّة، الّتي تستحيل إلى طعم الوارد، بأن ينتقل الطّعم إليها، فإنّ الأعراض لا تنتقل، بل بأن تخالطها أجزاء ذى الطّعم، ثمّ بغوص فى جرم اللّسان، فتدركها الذّائقة، فتكون الرّطوبة مسهّلة وصول المحسوس إلى الحسّ، أو بأن تتكيّف بالطّعم الّذي هو من نوع طعمه، بإعداد المخالطة إيّاها لإفاضة المفارق الطّعم عليها.
و الشّمّ، و هى قوّة رتّبت فى زائدتى مقدّم الدّماغ الشّبيهتين بحلمتى الثّدى، مدركة للرّوائح، بتوسّط الهواء المنفعل و البخار المرتفع من جرم ذى الرّائحة بأن يحصل فى الهواء بسبب مجاورته لذى الرّائحة ما هو من نوعها، بإفاضة المفارق. و قيل: لا حاجة إلى انتقال الهواء. و هو خطأ، لأنّ الرّائحة تصل إلى أمد بعيد. و ربّما كان الجسم ذو الرّائحة صغيرا لا يتحلّل منه من الأبخرة ما يشغل تلك الأحياز الكثيرة و المسافات المتباعدة. فقد حكى أرسطو أنّ الرّخمة قد انتقلت من مسافة