شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ٧٨ - الضّابط الثّالث فى جهات القضايا
يريد أن يشير إلى أنّ الممكن لا ينفكّ عنه الإمكان بحال أصلا، و إن لم يخل عن الوجوب أو الامتناع بالغير، لأنّه لا يخلو عن الوجود أو العدم، مع أنّ وجوده ليس لذاته و إلاّ وجب، و لا عدمه كذلك، و إلاّ امتنع، بل إنّما يجب وجوده بوجود علّته التّامّة و يمتنع بعدمها. و الوجوب و الامتناع بالغير لا ينافيان الإمكان الذاتىّ، و لهذا يصدق على الممكن حالة وجوده أنّه ممكن لذاته واجب بغيره، و حالة عدمه أنّه ممكن لذاته ممتنع بغيره.
و ظهر من هذا: أنّ لفظ قسمى الممكن الخاصّ، و هو الواجب و الممتنع، يصدقان عليه عند شرط و حال، و لا يصدق الممكن على شيء منهما بحال و شرط.
و إنّما قلنا: «لفظ قسمى الممكن الخاصّ» ، لأنّ قسميه، و هما الواجب و الممتنع لذاتيهما، لا يصدقان عليه أصلا، بخلاف لفظى الواجب و الممتنع، فإنّهما يصدقان عليه باعتبار الغير. هذا ما قيل هاهنا.
و يمكن أن يناقش و يقال: لفظ القسمين أيضا لا يصدق على الممكن كالقسمين. فالصّواب أن يقال: فظهر ممّا ذكرنا: أنّ الواجب و الممتنع يطلقان على الممكن، و لا يطلق هو عليهما، و إن كان فيه مناقشة بعد.
و اعلم: أنّا إذا قلنا: «كلّ ج ب» ، ليس معناه: إلاّ أنّ كلّ واحد واحد ممّا يوصف بج يوصف بب. لأنك إذا قلت «كلّ ج ب» ، عرفت أنّ مفهوم الجيم معنى عامّ، أى: كلّىّ، و إلاّ لامتنع دخول لفظة «كلّ» عليه، ثمّ تعرّضت للشّواخص الّتي تحته ، أى: للجزئيّات المندرجة تحت ذلك الكلّىّ، بقولك «كلّ واحد واحد» ، إذ ليس معناه معنى «كلّ ج ب» ، جميع الجيم ، أى: الكلّ المجموعىّ، لافتراقهما من حيث المعنى ، إذ يمكنك أن تقول: «كلّ إنسان تسعه دار واحدة، و لا يمكنك أن تقول: «جميع النّاس تسعهم دار واحدة» ، و لا كلّىّ الجيم، أعنى الجيم الكلّىّ، لما علمت أنّه عامّ و نوع، و لا يقع كلّ واحد من جزئيّات «ج» موقعه، و لا كلّيّته، أى: كلّيّة مفهوم ج، إذ يحمل على كلّ واحد ما ليس كلّ مفهوم الشّيء كلازم واحد و نحوه.
و إنّما لم يتعرّض لهما كما تعرّض غيره لهما، لأنّ كلّ ج [٤٠]يحتمل الكلّ