شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ٥٣٤ - فصل فى أحوال السّالكين
الكمّ و الكيف و عند اعتدال أحوال البدن فى المآكل و المشارب و غيرهما من الأمور البدنيّة الشّاغلة عن الامور العقليّة،
و فهم الإشارات من الكائنات إلى قدس اللّه، عزّ و جلّ ، و هو أن يكون السّالك، مع مراقبته لأحوال نفسه و حضوره مع ربّه و ملائكته، غير غافل عن أسرار الحوادث الكائنة فى العالم السّفلىّ، فلا يحدث حادث كبير و لا صغير إلاّ حمله و طبّقه على ما يليق بقدس اللّه و عظمته لتناسب العوالم و إن كان الكلّ من اللّه تعالى.
و دوام الذّكر لجلال اللّه يفضى إلى هذه الأمور ، الشّريفة المذكورة و الأحوال المسطورة، لأنّها كلّها منوّرة للنّفس و معدّة لها، لإفاضة العقل هيئاته النّوريّة عليها، و تلك الهيئات النّوريّة تعدّها لإدراك المطالب بسهولة. لأنّه إذا انفتح باب الفكر على النّفس و كيفيّة طريق التّفكّر و الرّجوع بالحدس إلى المطلوب، انشرح قلبها، و انفتحت بصيرتها، و خرج ما فى نفسها من القوّة إلى الفعل من غير طلب و تعب، فلهذا ما يفضى تلك الأحوال إلى هذه الأمور الشّريفة.
و الإخلاص فى التّوجّه إلى نور الأنوار أصل فى الباب ، لأنّه يعدّ النّفس لإشراق الأنوار الإلهيّة و إدراك الأمور الشّريفة، على ما قال، عليه السّلام: «من أخلص للّه أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه» . و ما لا إخلاص فيه لا حاصل له، على ما جاء فى الكتب المنزّلة و الأحاديث النّبويّة، لسقوط الأعمال الّتي فيها رياء و إن كثرت، و اعتبار الأعمال الخالصة له تعالى و إن قلّت.
و تطريب النّفس ، بالألحان الموسيقيّة و النّغمات الوتريّة ، بذكر اللّه صاحب الجبروت، أى مع تذكّر جلال اللّه و عظمته ، نافع ، فى الحال الأوّل الّذي للسّالك، لاتّفاق الأطبّاء و الحكماء على أنّ النّفس إذا فرحت و سرّت، انبسط نورها و ظهر، و إذا حزنت انقبض نورها و خمد، على أنّ الحزن للحال الثّاني ، الّذي للسّالك ، أفضل.
و قراءة الصحف المنزلة، و سرعة الرّجوع إلى من له، عالم الأجسام، و هو، الخلق، و عالم المجرّدات ، و ، هو، الأمر، كلّ هذه، المذكورات، شرائط ، معدّة للسّالك إلى إدراك ما ذكرنا من الأمور الشّريفة.