شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ٤١ - الضّابط الثّاني فى مقسم التّصوّر و التّصديق
وجودها فى الخارج يكون موجودا فى الخارج أزلا و أبدا. هذا هو الّذي فهمه المورد و الجمهور من المثل، و سيأتى ما هو الحقّ فيها إن شاء اللّه تعالى.
و هذا الأثر الّذي هو حصول صورة الشّيء فى العقل، سواء اقترن به حكم أولا، يسمّى تصوّرا، إذ الحكم باعتبار حصوله فى العقل من التّصوّرات أيضا، و خصوصيّته. و كونه حكما، -و هو ما يلحق الإدراك لحوقا يجعله محتملا للتّصديق و التّكذيب-يسمّى تصديقا.
فالتّصوّر هو حصول صورة الشّيء فى العقل مع قطع النّظر عن الحكم. لست أقول: مع التّجرّد عن الحكم، كما قال جماعة من المتأخّرين: «إنّ الأمر الحاصل فى العقل إن لم يكن معه حكم فهو التّصوّر، و إن كان معه حكم فهو التّصديق» ، فإنّ ذلك ينافى كون التّصوّر شرط التّصديق، كما هو عند الأقدمين، أو شطره، كما عند المحدثين، لامتناع تقوّم الشّيء و اشتراطه بنقيضه، و لاستحالة تحقّق المعاندة بين الجزء و الكلّ و الشّرط و المشروط.
اللّهمّ إلاّ أن يمنع و يقال: لا امتناع فى تحقّق العناد المانع من الجمع بين الجزء و الكلّ، لتحقّق هذا العناد بين الواحد و الكثير، مع أنّ الواحد جزء الكثير، على معنى أنّ الصّادق على الشّيء إمّا الواحد أو الكثير؛ و كذا فى التّصوّر و التّصديق؛ لاستحالة أن يصدقا على علم واحد.
أو يقال: التّصوّر أمر مشترك بين الإدراك المقيّد بقيد عدم الحكم و بين مسمّى الإدراك، و الأوّل هو قسيم التّصديق، و الثّاني شرطه أو شطره؛ و التّصديق هو الحكم على الشّيء المتصوّر بوجوده أو عدمه أو وجود حالة له أو عدمها عنه.
و اتّفاقهم على أنّ الأوّليّات ربّما وقع التّوقّف فى التّصديق بها، لخفاء فى تصوّر حدودها، يدلّ على أنّ التّصديق عبارة عن نفس الحكم، لا عن التّصوّرات الثّلاث، و إلاّ لما كان بديهيّا، إلاّ إذا كانت تلك التّصوّرات بديهيّة. و هذا بخلاف ما اعترفوا به فى الأوّليّات، و إن كان بعضهم قد ناقض نفسه فى مواضع.
فإن قيل: التّصديق أمر انفعالىّ، لأنّه قسم من العلم التّجدّدىّ، و هو انفعال ما