شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ٤٠٩ - فصل فى تقسيم البرازخ
فى موضع الرّشح. و لو كان له لم يكن شيء من ذلك، و لكان من الماء الحارّ أولى للطفه و سرعة خروجه و الوجود يكذّبه ، فتعيّن أن تكون، تلك القطرات، هواء صار بشدّة البرد ماء .
و لمّا استشعر أن يقال: لا نسلّم أنّ القطرات لو لم يكن للرّشح كانت لانقلاب الهواء ماء، لجواز أن يكون لانجذاب الأجزاء المائيّة المخالطة للهواء إلى الطّاس لبرودته كما هو رأى منكرى الكون و الفساد، قال : و ليس لقائل أن يقول: «الأجزاء المائيّة المتبدّدة فى الهواء انجذبت إليه» ، إذ لو كان كذلك، لكان انجذابها إلى حياض كبيرة . و فى بعض النّسخ «كثيرة» أولى ، لأن الانجذابات للبرد و برد الحياض المملوّة ماء باردا أو جمدا أكثر من برد الطّاس.
و ليس كذا ، إذ لو كان كذا لكان ركوب القطرات على الطّاس عند الحياض أقلّ و الوجود بخلافه، حتّى أنّ الطّاس-و إن كان مكبوبا على الجمد عند حياض و مستنقعات-يركبها من النداوة مثل ما كان دونها [دون الحياض] . و ذلك. أى ركوب النّداوة ، فى جميع المواضع، سواء ، أى على السّويّة ، فرض فيه فى الجميع الأبخرة كثيرة أو قليلة، و لو كان ركوب النّداوة لانجذاب الأجزاء البخاريّة إليه، لكان عند كثرة الأبخرة أكثر و عند قلّتها أقلّ، الوجود يكذّبه.
و يحتمل أن يكون «سواء» متعلّقا بقوله «فرض» و يكون التّقدير: «و ذلك، أى ركوب النّداوة، حاصل فى جميع المواضع، سواء فرض إليه الأبخرة كثيرة أو قليلة» ، و المعنى واحد.
و الماء صيرورته هواء تشاهد من تحلّل الأبخرة ، و هى ما يرتفع عن الأجسام الرّطبة، كالماء و الطّين بتأثير الشّمس و النّار، تحللا، شديدا، و انحلالا بالغا و تلطّفا فى الغاية، حتّى يزول اقتصادها أصلا بحيث يتلطّف بالكلّيّة . و لا يمنع النّور أصلا، فيكون هواء. و انقلاب الماء أرضا يرى من استحجار المياه ، بعضها، لا كلّها، و لا جلّها، على ما (٢٠٧ يشعر به الجمع المعرف، فى الحال ، حال الخروج عن منابعها، و هو مشهور معروف فى بعض البلاد.