شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ٣٩٦ - فصل فى بيان أنّ حركات الافلاك لنيل امر قدسىّ لذيذ
الوجود، و السّافل ما كان أبعد فيها منه، و يلزم [من]ذلك أن يكون العالى اشرف و أكمل و السّافل أخسّ و أنقص، كما عرفت ذلك من قاعدة الإمكان الأشرف.
فإن قيل: إذا كان ما يراد لغيره فهو أخسّ من ذلك الغير، فليكن الرّاعى أخسّ من الغنم، و المعلّم من المتعلّم، و النّبيّ من الأمّة.
قلنا: الاحتراز بقولنا «من حيث هذا سافل و ذلك عال» يخلص من هذا الإيراد و أمثاله فإنّ الغنم أفضل من الرّاعى من حيث هو راع، لا من حيث هو إنسان، و الرّاعى من حيث إنسانيّته أشرف من الغنم، و لو لم يعتبر فى الرّاعى ألاّ حراسته (٢٠٠ للغنم لا غير، لكان أخسّ منها لا محالة. و على هذا فقس الحال فى المعلّم بالنّسبة إلى المتعلّم، و النّبيّ بالنّسبة إلى أمّته. و إلى هذا أشار بقوله:
و عرف أنّ حركات البرازخ العلويّة ليست لما تحتها، و ليست لما تناله هى دفعة أو لا تناله أصلا، لأنّ الحالين يفضيان إلى انصرام الحركات للنيل أو اليأس. فهى لنيل مقصد نورىّ ، أى: عقلىّ، تناله الأنوار المدبّرة عن الأنوار القاهرة، و هو نور سانح، أى: عارض للمدبّرات عن نور الأنوار ، و شعاع قدسىّ ، أى: عقلى عارض لها أيضا، و لكن عن القواهر لاختصاص السانح بالفائض عن نور الأنوار.
و لو لم يكن فى النّور المدبّر فى البرازخ العلويّة أمر دائم التّجدّد، ما كانت منها، [أى: من البرازخ]، الحركة المتجدّدة دائما، إذ الثّابت لنفسه ، و هو نفوسها و أجرامها ، لا يقتضي التّغيّر.
ثمّ ما يتجدّد فى الأنوار المتصرّفة العلويّة ليس أمرا من الظّلمات ، أى أمرا مظنونا من الثّناء و المدح أو أمرا حيوانيا، سواء كان شهوانيّا، كجلب ملائم، أو غضبيّا، كدفع مناف ، لما سبق، من أنّ الأفلاك حركاتها الدّوام، فيجب أن تبتنى على أمر واجب الدّوام، و ليس المظنون كذا، و من أنّها لا تدخل تحت الكون و الفساد، مع اختصاص الشّهوة و الغضب بالأجسام الكائنة الفاسدة المفتقرة إلى التّغذّى و النّموّ و الهرب من الضّدّ و المزاحم، و امتناع كلّ ذلك على الأجرام الفلكيّة، لتوقّفه على الحركة المستقيمة الممتنعة عليها ، فيكون أمرا نوريّا فائضا من القواهر، متجدّدا.