شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ٢٩ - القسم الأوّل فى ضوابط الفكر (در سه مقاله)
تزبنه الزّبانية، فدهدهته إلى الهاوية، و يخفّ على الماء حمله، و لا يغرق فى البحر المحيط، و هو فى جوار عين الحيوان الرّاكدة، من اغتمر فيها لم يمت» .
و منه يعلم أنّ من قال: «أنا قانع بما أعلم، و ما لى حاجة إلى المنطق» ، و إن كان يعلم جميع العلوم العاميّة، من اللّغة و النّحو و الشّعر و التّرسّل و الفقه و الكلام و الطّبّ و الحساب، فهو كحارس يقول «أنا قانع بما أنا فيه، و ما لي حاجة إلى السّلطنة و السّرير و التّاج» .
و سمة المنطق: هى المنطق، و هو مشتقّ من النّطق الدّاخلىّ، و هو القوّة الّتي ترتسم فيها المعانى، و المنطق يهذّبها.
و مؤلّف الكتاب، أى مصنّف هذا الفنّ و مدوّنه: هو أرسطو، و قد صحّ بشهادة المفسّرين له. و يقال له: «ميراث ذى القرنين» ، و قد بذل لمصنّفه، خمسمائة ألف دينار، و أدرّ عليه، كلّ سنة، مائة و عشرين ألف دينار. و قد حافظ على شريطة المصنّفين، و احترز فيه عن الزّيادة على ما يجب، كلوازم المتّصلات و المنفصلات و الاقترانات الشّرطيّة الّتي لا ينتفع بها، لا فى الدّنيا و لا فى الآخرة، و أمثالها ممّا زادها المتأخّرون، و عن النّقصان ممّا يجب، كالصّناعات الخمس على ما نقص منها المتأخّرون، بحذف البعض أصلا و رأسا، كالجدل و الخطابة و الشّعر، و إيراد البعض أبتر، كالبرهان و المغالطة.
و أما أنّه من أىّ علم، فهو جزء من العلم المطلق، و آلة يتوصّل بها إلى سائر العلوم النّظريّة و العمليّة، و هو لا يتوقّف على آلة أخرى، لأنّ بعضه تنبيه و تذكير، و بعضه إفادة متّسقة، أى منتظمة، يؤمن فيها الغلط، فلا يحتاج إلى منطق آخر قبله، كالحساب و الهندسة. و نسبته إلى الرّويّة كنسبة النّحو إلى الكلام، و العروض إلى الشّعر، إلاّ أنّه قد يستغنى عنهما بالفصاحة و سلامة الذّوق، و لا يستغنى عن المنطق فى طلب الكمال، إلاّ أن يكون الإنسان مؤيّدا بتأييد سماوىّ، فيكون نسبته إلى المروّين كنسبة البدوىّ إلى المتعرّبين.
و المنطق يصلح لأبناء الملوك الّذين يتوقّع منهم أن يصيروا ملوكا، لا ليتعلّموا