شرح حكمة الإشراق سهروردي - قطب الدين الشيرازي - الصفحة ٢٨٤ - فصل تفصيلىّ فى ما ذكرناه أيضا
و كيف ما كان ، الشّيء القائم بذاته المدرك لها، أى: سواء كان عقلا أو نفسا، لا يتصوّر أن يعلم الشّيء ، المذكور، نفسه، بأمر زائد على نفسه، سواء كان الزّائد صورة و مثالا للذّات أو لم يكن. و استدلّ عليه بقوله «فإنّه» أى: فإنّ ذلك الأمر الزائد على نفس الشّيء يكون صفة له.
فإذا حكم ، المدرك لذاته، أنّ كلّ صفة زائدة على ذاته-كانت علما أو غيره- كالقدرة و الإرادة و غيرهما من الصّفات ، فهى لذاته. فيكون قد علم ذاته قبل جميع الصّفات و دونها ، و دون الصّفات، لأنّ العلم بصفة الذات فرع على علم الذّات، لاستحالة أن يجهل الذّات و يعلم أنّ الأمر الفلانىّ صفتها. و على هذا، فلا يكون قد علم ذاته بالصّفات الزّائدة ، عليها، المفروض علم الذّات بها. هذا تقرير هذه الوجوه، و لا يخفى كونها إقناعيّة.
و أنت لا تغيب عن ذاتك و عن إدراكك لها؛ و إذ ليس يمكن أن يكون الإدراك بصورة أو زائد، فلا تحتاج فى (١٤٣ إدراكك لذاتك إلى غير ذاتك الظّاهرة لنفسها أو الغير الغائبة عن نفسها. فيجب أن يكون إدراكها . إدراك الذّات، و فى بعض النّسخ: «إدراكك» ، لها لنفسها، كما هى ، أى: بنفس ذاتها من غير زائد عليها، و أن لا تغيب، ذاتك ، قطّ عن ذاتك و جزء ذاتك ، على تقدير أن يكون لها جزء، لامتناع إدراك الكلّ بدون إدراك جزئه.
و ما تغيب ذاتك عنه، كالأعضاء، من القلب و الكبد و الدّماغ . و إنّما ذكر الأعضاء الباطنة تنبيها على أنّ النّفس مغايرة لها. و إنّما خصّص القلب و الدّماغ و الكبد بالذّكر، لأنّها هى الأعضاء الرّئيسة بحسب بقاء الشّخص، كما دلّت عليه البراهين الطّبيّة، فهى مظنّة أن يتوهّم فيها أنّها هى النّفس. و لو كانت النّفس شيئا من أعضاء البدن، لكان الأولى بذلك العضو أن يكون أحد هذه الثّلاثة.
و إنّما قدّم القلب، لكونه الرّئيس المطلق، و كان ينبغى أن يقدّم الدّماغ على الكبد، كما فى سائر كتبه، لكون الحسّ و الحركة الإراديّة أفضل من القوى الطّبيعيّة، لكنّه تساهل فيه، بناء على الواو لا توجب التّرتيب.