انوار الفقاهة(كتاب التجارة) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٦ - الرّابع المني
أمّا الثاني- أي ما وقع فيه- فهو أيضا كذلك، و العمدة فيه أنّه كالتالف و لا يعدّ كالبذر، لأنّ الولد تابع للأمّ في الحيوانات عرفا، و لا يؤخذ بنظر الاعتبار مالك الفحل الذي كان منه المني، و لذا لا يعامل مع الحيوانات التي تتولّد من الإناث معاملة مجهول المالك إذا لم يعرف صاحب المني، و لا يعدّ ملكا له إذا عرف صاحبه، و هذا ممّا استقرّت عليه سيرة العقلاء من أهل العرف و الشرع.
و لعلّ الفرق بينه و بين البذر أنّ البذر أمر محسوس قابل لأن يعرف صاحبه، و أمّا النطفة التي صارت مبدء للتولّد غالبا فحالها غير معلوم في الحيوانات، و انتفاع النطفة من الامّ أكثر من انتفاع البذر من الأرض من جهة التغذية و غيرها ممّا أوجب هذا التفاوت في نظر العرف.
و أمّا ما ذكر من الأدلّة على بطلان بيعه، كالنجاسة، و الجهل بالمقدار، و عدم القدرة على التسليم، فلا اعتبار بها.
أمّا النجاسة فقد عرفت عدم موضوعيتها، و أمّا المعلومية و القدرة على التسليم ففي كلّ شيء بحسبه.
بقى الكلام في الثالث و هو ما في أصلاب الفحول، و هو المسمّى بالعسيب من مادّة «العسب» فانّه يطلق على «الضراب» و على مائه كما في اللغة، ففي صحّة بيعه خلاف بينهم.
قال الشيخ في الخلاف: إجارة الفحل للضراب مكروه، و ليس بمحظور و عقد الإجارة عليه غير فاسدة، و قال مالك: يجوز و لم يكره، و قال أبو حنيفة و الشافعي: إنّ الإجارة فاسدة، و الاجرة محظورة، دليلنا أنّ الأصل الإباحة فمن ادّعى الحظر، و المنع فعليه الدلالة، فأمّا كراهية ما قلناه فعليه إجماع الفرقة و أخبارهم [١].
و قال أيضا: بيض ما لا يؤكل لحمه لا يجوز أكله و لا بيعه، و كذلك مني ما لا يؤكل لحمه.
و للشافعي فيه وجهان، دليلنا: إجماع الفرقة و أخبارهم، فإنّها تتضمّن ذكر البيض، فأمّا المني فإنّه نجس عندنا و ما كان نجسا لا يجوز بيعه و لا أكله بلا خلاف [٢].
و لكن قال في التذكرة: «يحرم بيع عسيب الفحل و هو نطفته لأنّه غير متقوّم و لا معلوم و لا
[١]. الخلاف، ج ٢، ص ٧٣، المسألة ٢٦٩، من البيوع.
[٢]. المصدر السابق، المسلة ٢٧٠.