انوار الفقاهة(كتاب التجارة) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٠ - و استدلّ له بامور
الأمر الثّالث: هل يعتبر عدم إمكان التفصّي في الإكراه من قبل الجائر بنحو من الأنحاء، أم لا؟ قيل أنّ فيه أقوالا ثلاثة: أحدها الاعتبار، و ثانيها نفيه مطلقا، و ثالثها التفصيل بين الإكراه على قبول نفس الولاية المحرّمة، فلا يعتبر فيها التفصّي و يجوز قبولها و لو كان له طريق إلى المخلص، و الإكراه على سائر المحرّمات، فيعتبر العجز عن الخلاص منه.
و الأولى أن يتكلّم في اعتبار العجز عن التفصّي في مفهوم الإكراه لغة و عرفا على سبيل عامّ، أعني أعمّ من الولاية و غيرها، ثمّ نتكلّم في الولاية، و انّ لها حرمة ذاتية أو عرضية كي يتّضح حالها.
أمّا الأوّل: فالظاهر أنّ اعتبار العجز عن التفصّي مأخوذ فيه عرفا و لغة، فلو اكره شخص على شرب الخمر أو ترك واجب مثل إفطار الصوم الواجب، و كان هناك مائع شبهه و على لونه يقدر على شربه عوضه، أو كان يمكنه صبّه في جيبه و إظهار أنّه شربه، أو كان هناك طريق إلى الفرار من هذا المجلس، أو غير ذلك، فلا شكّ أنّه لا يعدّ مكرها على شرب الخمر و غيره، بل و كذلك إذا أمكنه التكلّم مع المكره و إرشاده أو بذل مال له و النجاة من يده فانّه من قبيل المقدور بالواسطة.
نعم إذا كان بذل المال مجحفا بحاله، أمكن نفيه بأدلّة نفي الضرر، و إلّا فلا، و كذلك إذا كان حرجيا، و هذا كلّه ظاهر.
أمّا الثّاني: أعني الولاية، فلو كان قبول نفسها حراما لحرمتها الذاتية فاعتبار العجز عن التفصّي فيه ظاهر، أمّا لو قلنا بعدم حرمتها ذاتا، فيجوز قبولها حتّى بغير الإكراه فضلا عن إمكان التفصّي و عدمه.
و أمّا المحرّمات الاخر الملازمة لها، فالكلام فيها هو الكلام في مثل الإكراه على شرب الخمر، أو على إفطار الصوم الواجب، و منه يظهر حال ما نقل عن علي بن يقطين و أنّه كان يأخذ أموال الشيعة جهرا و يردّها عليهم سرّا، فانّ التفصّي لم يمكن له ابتداء، و لكن كان يمكنه بقاء، فكان واجبا لعدم صدق الإكراه عليه.
و لعلّ ما يتراءى بينهم من الخلاف في ذلك نزاع في اللفظ، و في التعبير عن المطلب لا في نفسه.