انوار الفقاهة(كتاب التجارة) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣٢ - الأوّل من مسوغات الكذب ما كان للضرورة
فقد عرفت أنّها لا تجري إلّا فيما يحتمل الكلام لمعنيين بحسب ذاته، و لكن ينصرف ذهن المخاطب إلى واحد منهما، لبعض ما في ذهنه ممّا هو خارج عن الكلام، و القرائن الموجودة فيه بحسب موازين التكلّم، مثلما عرفت من كلام عقيل لمعاوية و شبهه، أو شهرة أحد المعاني شهرة لم تبلغ حدّ الظهور توجب انصراف ذهن المخاطب مع أنّ مراد المتكلّم غيره، إلى غير ذلك.
و من الواضح أنّ التورية بهذا المعنى لا تنفق إلّا في موارد خاصّة قليلة، فعدم ذكرها في الروايات إنّما هو لتعرّضها للمصاديق الغالبة التي لا توجد فيها التورية بطبيعة الحال.
نعم، إذا فسّرناها بما ذكرها شيخنا الأعظم قدّس سرّه و أتباعه (من إرادة معنى صحيح من الكلام و ان كان الكلام ظاهرا بحسب الوضع أو القرائن في غيره) فقلّما يتّفق مورد لا يمكن فيه التورية كما لا يخفى، و هذا هو مفتاح حلّ المسألة، فالحقّ مع المشهور، و عدم ذكرها في الأخبار المجوّزة لا يوجب محذورا، لأنّها ناظرة إلى الأفراد الغالبة التي لا يمكن فيها التورية.
فإطلاقات الحرمة بحالها لا يتعدّى منها إلّا عند الاضطرار، و هو منحصر فيما لا يمكن التخلّص بالتورية.
بقى هنا شيء، و هو إنّه قد يقال أنّ روايات الباب لا دخل لها بما نحن فيه، فانّها بصدد جواز الحلف عند الضرورة، توضيحه:
«إنّ الحلف عبارة عن جملة إنشائية يؤتى بها لتأكيد الجملة الإخبارية أو الإنشائية، و لمّا ورد في الكتاب العزيز النهي عن جعل اللّه عرضة للأيمان، و ورد في الروايات النهي عنه صادقا أو كاذبا، يمكن أن يكون ذلك منشأ للشبهة في أنّ اليمين غير جائزة حتّى لإنقاذ المال و التخلّص من العشّار و غيره، فأجابوهم بالجواز، و لا ربط لما بما يقارنه من الأخبار، فهي أجنبية عمّا نحن بصدده».
و هذا كلام عجيب، فان جعل اللّه عرضة للأيمان حتّى في موارد الصدق لم يكن أمرا محرّما، و هذا معلوم لكلّ أحد بدليل شيوعه حتّى في كلمات المعصومين عليهم السّلام و ان كان مرجوحا في بعض الموارد، مع أنّ ظاهر الأخبار كونه محرّما في غير الضرورة، هذا أوّلا.