انوار الفقاهة(كتاب التجارة) - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٣١ - الأوّل من مسوغات الكذب ما كان للضرورة
و لم يكتف بهذا حتّى أورد عليه بأنّ عنوان الاضطرار و الإكراه و الدوران بين المحذورين غير عنوان الضرورة.
و لكن الإنصاف أوّلا: إنّ الضرورة في اللغة و العرف لها معنى عام يشمل الإكراه و دوران الأمر بين الأمرين، و هو عين الاضطرار، فليس هنا عناوين أربعة. فانّ الإنسان إنّما يتّقي (في التقيّة الخوفية) إذا رأى نفسه في خطر فاضطرّ إليها، و كذا الإكراه لا يكون إلّا بالتوعيد، و دوران الأمر أيضا كذلك، مثلا إذا أراد الإنسان ترك الغصب وقعت نفسه في الهلاك عند المخمصة و الجماعة، و إذا أراد حفظ نفسه لزمه ارتكاب الغصب، و حيث يكون أحدهما أهمّ، فيصدق عليه عنوان الاضطرار.
ثانيا- حفظ المال الكثير يعدّ ضرورة، و أمّا المال اليسير فالظاهر انصراف الأخبار عنه.
كما أنّ حفظ أموال الأخ المسلم أيضا كذلك إذا كان ممّا يعتدّ به، فكلّ ذلك داخل في معنى الضرورة بالمعنى المطلق.
و هذا كلّه واضح، إنّما الكلام في أنّه هل تجب التورية عند الضرورة، بحيث لا يسوغ الكذب إلّا عند العجز عنه، أو يجوز مطلقا؟
حكى عن المشهور وجوبها، و استدلّ له بأمرين يرجعان إلى واحد في الحقيقة:
أحدهما: إنّ الملاك في جواز الكذب تحقّق الضرورة، و مع إمكان التورية لا ضرورة.
ثانيهما: إنّ قبح الكذب عقلي، فلا يجوز إلّا بعروض عنوان حسن عليه، و لا يعرض هذا العنوان إلّا إذا كان الطريق منحصرا في الكذب، لا ما إذا أمكن التورية.
و لكن في مقابل هذين الدليلين إطلاق الروايات الكثيرة التي ليس فيها عين من هذا الشرط و لا أثر، و من البعيد تقييد جميعها، و لذا مال الشيخ الأعظم قدّس سرّه في بعض كلماته إلى جواز ذلك من دون قيد، و دفع الدليل العقل بأنّه لا مانع من توسّع الشارع على العباد بجواز الكذب عند الضرورة مطلقا بعد كون التورية موجبة للعسر و الحرج إجمالا.
و لكن مال أخيرا إلى كلام المشهور، و احتاط فيها أخذا بالقاعدة، و أمر بالتأمّل في ذيل كلامه الذي يظهر منه الترديد آخر الأمر.
و التحقيق في المسألة أن يقال: إنّ المشكل نشأ من ناحية عدم التفسير الصحيح للتورية،